حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون ( ٩٩ ) :
ذلك لمجرد أن تحضره سكرات الموت ويوقن أنه ميت تتكشف له الحقائق ويرى ما لا نراه نحن، كما جاء في قوله تعالى : فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ( ٢٢ ) [ ق ] :
فيتمنى الإنسان أن يرجع إلى الدنيا وهو ما يزال يحتضر، لماذا ؟ لأنه رأى الحقيقة التي كان ينكرها ويكذب بها، والذين يشاهدون حال الموتى ساعة الاحتضار يرون منهم إشارات تدل على أنهم يرون أشياء لا نراها نحن، كل حسب حاله وخاتمته.
وأذكر حين مات أبي، وكان على صدري ساعتها أنه قال لي : يا أمين- وهذا اسمي في بلدي- كيف تبنى كل هذه القصور ولا تخبرني بها ؟
والجنود الذين صاحوا في المعركة : هبي يا رياح الجنة. لا بد أنهم رأوها وشموا رائحتها، وإلا ما الذي جعلهم يتلهفون للموت، ويشتاقون للشهادة إلا أنهم يرون حالا ينتظرهم أفضل مما هم فيه.
ومن هؤلاء الصحابي الجليل الذي حدثه رسول الله ( ص ) عن أجر الشهداء عند الله، وكان في يده تمرات أو في فمه يمضغها، فقال : يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فأقتل في سبيل الله ؟ قال : نعم، فألقى التمرة من فمه ومضى إلى المعركة١.
كأنه استكثر أن يقعد عن طلب الجنة مدة مضغ هذه التمرات. فإلى هذه الدرجة بلغ يقين هؤلاء الرجال في الله وفي رسول الله.
ونلحظ في هذه الآية : حتى إذا جاء أحدهم الموت.. ( ٩٩ ) [ المؤمنون ] : هكذا بصيغة المفرد قال رب ارجعون ( ٩٩ ) [ المؤمنون ] : جاء بالجمع على سبيل التعظيم، ولم يقل : رب ارجعني، كما جاء في قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( ٩ ) [ الحجر ].
فهنا الحق- تبارك وتعالى- يعظم ذاته، لكن هذا يعظم الله الآن، وهو في حال الاحتضار، وقد كان كافرا به، وهو في سعة الدنيا وبحبوحة العيش.
أو : أنه كرر الطلب : أرجعني أرجعني أرجعني، فجمعها الله تعالى. أو : أنه استغاث بالله فقال : رب ثم خاطب الملائكة : ارجعون إلى الدنيا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي