ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق أي : يوم تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم عليها موفراً، فالمراد بالدّين هاهنا : الجزاء، وبالحق الثابت الذي لا شك في ثبوته. قرأ زيد بن عليّ يوفيهم مخففاً من أوفى، وقرأ من عداه بالتشديد من وفّى. وقرأ أبو حيوة، ومجاهد الحق بالرفع على أنه نعت لله، وروي ذلك عن ابن مسعود. وقرأ الباقون بالنصب على أنه نعت لدينهم. قال أبو عبيدة : ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع ليكون نعتاً لله عزّ وجلّ، ولتكون موافقة لقراءة أبيّ، وذلك أن جرير بن حازم قال : رأيت في مصحف أبيّ يوفيهم الله الحق دينهم . قال النحاس : وهذا الكلام من أبي عبيدة غير مرضيّ، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم، ولا حجة أيضاً فيه ؛ لأنه لو صحّ أنه في مصحف أبيّ كذلك جاز أن يكون دينهم بدلا من الحقّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين أي : ويعلمون عند معاينتهم لذلك، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز : أن الله هو الحقّ الثابت في ذاته وصفاته وأفعاله. المبين : المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، وإنما سمى سبحانه الحقّ ؛ لأن عبادته هي الحقّ دون عبادة غيره. وقيل : سمي بالحقّ أي الموجود لأن نقيضه الباطل، وهو المعدوم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَلاَ يَأْتَلِ الآية، يقول : لا يقسموا أن لا ينفعوا أحداً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة قالت : كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر : ألا ينيله خيراً أبداً، فأنزل الله وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة الآية، قالت : فأعاده أبو بكر إلى عياله، وقال : لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلاّ تحللتها، وأتيت الذي هو خير. وقد روي هذا من طرق عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال : كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رموا عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك، وتكلموا فيها، فأقسم ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر أن لا يتصدّقوا على رجل تكلم بشيء من هذا، ولا يصلوه، فقال : لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر الله أن يغفر لهم، وأن يعفى عنهم. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه في قوله إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الآية، قال : نزلت في عائشة خاصة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال : هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة، ثم قرأ : والذين يَرْمُونَ المحصنات إلى قوله : إِلاَّ الذين تَابُواْ . وأخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن أبي سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إذا كان يوم القيامة عرّف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال : هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول : كذبوا، فيقال : أهلك وعشيرتك، فيقول : كذبوا، فيقال : احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم النار». وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من طريق جماعة من الصحابة ما يتضمن شهادة الجوارح على العصاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه : يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق قال : حسابهم، وكلّ شيء في القرآن فهو الحساب. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه " أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ : يومئذٍ يوفيهم الله الحقّ دينهم ". وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله الخبيثات قال : من الكلام لِلْخَبِيثِينَ قال : من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلام والطيبات من الكلام لِلطَّيّبِينَ من الناس والطيبون من الناس للطيبات من الكلام، نزلت في الذين قالوا في زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، والطبراني، عن قتادة نحوه أيضاً، وكذا روي عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن زيد في الآية قال : نزلت في عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان، والفرية، فبرّأها الله من ذلك، وكان عبد الله بن أبيّ هو الخبيث، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة، ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً، فكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب، وفي قوله : أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ قال : هاهنا برئت عائشة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : لقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية