وبعد أن تحدث القرآن عن قول المنافقين وعن ما يقابله من قول المؤمنين وما ترتب عليه عن حكم فأولئك هم الفائزون٥٢ ( النور ) : ذلك لأن ذكر المقابل يظهر المقابل، كما قالوا : والضد يظهر حسنه الضد. بعدها عاد إلى الحديث عن النفاق والمنافقين، فقال سبحانه :
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون٥٣ :
القسم : هو اليمين و الحلف، والإنسان يقسم ليؤكد المقسم عليه يريد أن يطمئن المخاطب على أن المقسم عليه حق، وهؤلاء لم يقسموا بالله سرا في أنفسهم، إنما { جهد
أيمانهم..... ٥٣ }( النور ) : يعني : بالغوا وأتوا بمنتهى الجهد في القسم، فلم يقل أحدهم : وحياة أمي أو أبى، إنما أقسموا بالله، وليس هناك قسم أبلغ من هذا القسم، لذلك يقول النبي صبى الله عليه وسلم : " من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت ". ١
فلما أقسموا بالله للرسول أن يخرجوا من بيوتهم وأولادهم وأموالهم إلى الجهاد مع رسول الله فضح الله سرائرهم، وكشف سترهم، وأبان عن زيف نواياهم، كما قال في آية أخرى : ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول.... ٨١ ( النساء ).
وتأمل دقة الأداء القرآني في : بيت طائفة منهم.... ٨١ ( النساء ) : وهذا احتياط ؛ لأن منهم أناسا يرواد الإيمان قلوبهم ويفكرون في أن يخلصوا إيمانهم ونواياهم لله تعالى، ويعودوا إلى الإسلام الصحيح.
والقرآن يفضح أمر هؤلاء الذين يقسمون عن غير صدق في القسم، كمن تعود كثرة الحلف والحنث فيه ؛ لذلك ينهاهم عن هذا الحلف : قل لا تقسموا.... ٥٣ ( النور ) : ولا يمكن أن ينهى المتكلم المخاطب عن القسم خصوصا إذا أقسم على خير، لكن هؤلاء حانثون في قسمهم، فهو كعدمه، فهم يقسمون باللسان، ويخالفون بالوجدان.
وقوله تعالى : طاعة معروفة.... ٥٣ ( النور ) : يشعر بتوبيخهم، كأنه يقول لهم : طاعتكم معروفة لدينا ولها سوابق واضحة، فهي طاعة باللسان فحسب، ثم يؤكد هذا المعنى فيقول : إن الله خبير بما تعملون ٥٣ ( النور ) : والذي يؤكد هذه الخبرة أنه يفضح قلوبهم ويفضح نواياهم.
والعجيب أنهم لا يعتبرون بالأحداث السابقة، ولا يتعظون بها، وقد سبق لهم أنه كان يجلس أحدهم يحدث نفسه الحديث فيفضح الله ما في نفسه ويخبر به رسول الله، فيبلغهم بما يدور في نفوسهم، كما جاء في قول الله تعالى : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول.... ٨ ( المجادلة ).
ومع ذلك لم يعتبروا ولم يعترفوا لرسول الله بأنه مؤيد من الله، وأنه تعالى لن يتخلى عن رسوله، ولن يدعه لهم يخادعونه ويغشونه، وهذه سوابق تكررت منهم مرات عدة، ومع ذلك لم ينتهوا عما هم فيه من النفاق، ولم يخلصوا الإيمان لله.
تفسير الشعراوي
الشعراوي