ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

قوله :«لاَ تَحْسَبَّن ». قرأ العامة١٢٥ :«لاَ تَحْسَبَّنَ » بتاء الخطاب، والفاعل ضمير المخاطب١٢٦، أي : لا تحسبن أَيُّها المخاطب، ويمتنع أو يبعد جعله للرسول - عليه السلام ١٢٧- لأنَّ مثل هذا الحُسبان لا يُتصوَّرُ منه حتى يُنْهى عنهُ١٢٨. وقرأ حمزة وابن عامر :«لاَ يَحْسَبَّن » بياء الغيبة١٢٩، وهي قراءة حسنةٌ واضحةٌ، فإنَّ الفاعل فيها مضمرٌ، يعودُ على ما دلَّ السياق عليه، أي :«لاَ يَحْسَبَّن حاسِبٌ واحدٌ ». وإما على الرسول لتقدُّمِ ذكره، ولكنه ضعيف للمعنى المتقدم١٣٠، خلافاً لمن لَحَّنَ قارئ هذه القراءة كأبي حاتم وأبي جعفر١٣١ والفراء. قال النحاس : ما عَلِمْت أحداً من أهل العربية بصرياً ولا كوفياً إلا وهو يُلَحِّنُ قراءة حمزة، فمنهم من يقول : هي لحنٌ، لأنه لم يأت إلا مفعولُ واحدٌ١٣٢ ل «يَحْسَبن »١٣٣. وقال الفراء : هو ضعيفٌ، وأجازه على حذف المفعول الثاني والتقدير١٣٤ :«لاَ يَحْسَبن الذين كفروا أنفسهم معجزين »١٣٥ قال شهاب الدين : وسبب تلحينهم هذه القراءة : أنهم اعتقدوا أنَّ «الَّذِينَ » فاعل، ولم يكن في اللفظ إلا مفعولٌ واحدٌ، وهو «مُعْجِزِينَ » فلذلك قالوا ما قالوا١٣٦.
والجواب عن ذلك من وجوهٍ :
أحدها : أنَّ الفاعل١٣٧ مضمر يعود على ما تقدم، أو على ما يفهم من السياق، كما سبق تحريره.
الثاني : أنَّ المفعول الأول١٣٨ محذوف تقديره : ولاَ يَحْسَبن الَّذِين كفروا أنفسهم معجزين، إلاّ أن حذف أحد المفعولين ضعيف عند البصريين١٣٩، ومنه قول عنترة :

وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ١٤٠
أي : تظني غيره واقعاً. ولما نحا الزمخشريُّ إلى هذا الوجه قال : وأن يكون الأصل : لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين. ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوّغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث١٤١. فقدّر المفعول الأول ضميراً متصلاً. قال أبو حيان : وقد رَدَدْنَا هذا التخريج في أواخر «آل عمران » في قوله : لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ١٤٢ [ آل عمران : ١٨٨ ] في قراءة من قرأ بالغيبة١٤٣، وجعل١٤٤ الفاعل :«الَّذِين يَفْرَحُونَ »، وملخصه : أنَّ هذا ليس من الضمائر التي يُفَسِّرها ما بعدها، فلا يتقدَّر١٤٥ «لاَ يَحْسَبَنَّهُمْ » إذ لا يجوز ظنَّهُ زيدٌ قائماً، على رفع ( زيدٌ ) ب ( ظنه ) ١٤٦. وقد تقدم هذا الرد في الموضع المذكور١٤٧.
الثالث : أن المفعولين هما قوله : مُعْجِزِينَ فِي الأرض قاله الكوفيون١٤٨. ولما نحا إليه الزمخشري قال : والمعنى : لا يحسبن الذين كفروا أحداً يُعْجِزُ الله في الأرض يطمعوهم١٤٩ في مثل ذلك، وهذا معنى قويٌّ جَيِّدٌ١٥٠. قال شهاب الدين : قيل : هو خطأ، لأنَّ الظاهر تعلق «فِي الأَرْض » ب «مُعْجِزينَ » فجعلهُ مفعولاً ثانياً كالتهيئة للعمل والقطع عنه، وهو نظير :«ظَنَنْتُ قَائِماً فِي الدَّارِ »١٥١.
قوله :«وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ » فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن هذه الجملة عطفٌ على الجملة التي قبلها١٥٢ من غير تأويل ولا إضمار، وهو مذهب سيبويه١٥٣، أعني : عطف الجمل بعضها على بعض وإن اختلفت أنواعها١٥٤ خبراً وطلباً وإنشاءً. وقد تقدم تحقيقه في أول الكتاب ١٥٥.
الثاني أنها معطوفة عليها، ولكن بتأويل جملة النهي بجملة خبرية، والتقدير : الذين كفروا١٥٦ لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ومأواهم النارُ. قاله الزمخشري١٥٧، كأنه١٥٨ يرى تناسب الجمل شرطاً في ( صحة ) ١٥٩ العطف، هذا ظاهر حاله.
الثالث : أنها معطوفة على جملة مقدرة.
قال الجرحاني١٦٠ : لا يحتمل أن يكون «وَمَأْوَاهُم » متصلاً بقوله :«لاَ يَحْسَبن » ذلك نهيٌ وهذا إيجابٌ، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله، تقديره :«لاَ يَحْسَبن الَّذين كفروا مُعْجزين في الأرض بل هم مَقْهُورُونَ ومَأْوَاهُمُ النَّارُ١٦١ ».

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية