ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

وقوله تعالى : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا يتضمن شقه الأول الإشارة إلى إحدى الشبهات السخيفة التي يوجهها الكافرون والمكذبون، للطعن في القرآن والتشكيك في كونه من عند الله، وهذه الشبهة هي : لماذا نزل القرآن مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة ؟ كما يضمن شقه الثاني إبطال تلك الشبهة وتزييفها، وذلك بإبراز الحكم الإلهية في نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة :
والحكمة في نزوله مفرقا على تلك الصفة حسبما نصت عليه هذه الآية تتعلق بالرسول مباشرة، وهي تثبيت محتوى آيات القرآن لفظا ومعنى في قلب الرسول، ومساعدته على تلقيه وقراءته بترسل وتمهل وتؤدة، تيسيرا لحفظه أولا، وتمهيدا لتلقينه لأمته ثانيا حسبما أنزل عليه، آية بعد آية، ووقفة بعد وقفة، ويزيد هذا المعنى توضيحا قوله تعالى في سورة القيامة : لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ، [ ١٦ ١٩ ]، وقوله تعالى في سورة طه : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه [ الآية : ١١٤ ]، وهذا المنهج الإلهي الحكيم في التلقي والتلقين هو المنهج الوحيد الذي يتفق مع ما جاء في خطاب الله لنبيه، واصفا حالته التي كان عليا عند تلقي الرسالة، إذ قال تعالى في سورة الشورى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [ الآية : ٥٢ ]. قال القاضي عبد الجبار : " فلو أنزل عليه جملة واحدة لكان مخالفا للحكمة ".
وهناك حكمة أخرى من وراء نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة، ألا وهي تثبيت الرسول حينا بعد حين، وبشكل متلاحق دون انقطاع، على تبليغ دين الحق، والمجاهدة بقول الحق في مواجهة خصوم الرسالة الماكرين، الذين طالما حاولوا فتنة الرسول، واستعملوا كل الوسائل المادية والأدبية للضغط عليه وصرفه عن رسالته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في سورة المائدة : واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك [ الآية : ٤٩ ]، وقوله تعالى في سورة الإسراء : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [ الآية : ٧٤ ]، لكن الله عصمه من كيدهم ومكرهم، إذ كلما تجدد اتصال الرسول بالوحي في المواقف الحرجة ازداد قلبه قوة، وتضاعفت ثقته بعناية الله ورعايته، وأحس بمدد إلهي جديد يعينه على المزيد من الصبر والثبات، وتخطي العقبات.
وقد تحدث كتاب الله في آية أخرى عن حكمة دقيقة من حكم تنجيم القرآن ونزوله مفرقا، وذلك بالنسبة للمرسل إليهم، وهذه الحكمة سبقت الإشارة إليها عند قوله تعالى في سورة الإسراء : وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ، ذلك أن الإنسانية الضالة التي أراد الله ان يخرجها من الظلمات إلى النور لا يمكن ان تقفز من حضيض الجهالة الجهلاء، إلى أعلى درجة في السمو والارتقاء، بين عشية وضحاها، إذ لا بد لتحولها عما كانت عليه، وتطورها إلى ما يجب أن تؤول إليه، من وقت كاف تستوعب فيه يوما بعد يوم، ما جاء به القرآن الكريم من عقيدة وشريعة وأخلاق، فقوله تعالى في خطابه لنبيه في سورة الإسراء : لتقرأه على الناس على مكث يفيد ان حكمة الله اقتضت أن يكون تبليغ القرآن إلى الناس على مهل، تدريجيا ودون عجلة، حتى يحفظوه ويعوه، ويرتاضوا به ويتبعوه، ويسايروه في حياتهم خطوة خطوة.
وقوله تعالى في نفس السياق : ونزلناه تنزيلا يشير إلى أن حكمة الله اقتضت أن يكون تنزيل القرآن على فترات، ليواجه ما يتجدد في حياة الناس من حوادث ومسائل وشبهات، إذ لا يخفى على أحد ما تزخر به الحياة اليومية في مثل هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة من إلقاء أسئلة محرجة تحتاج إلى الأجوبة الشافية، ومن وقوع حوادث معقدة تتوقف على الحلول الكافية، فتنزل آيات القرآن مفرقة تبعا لذلك في الوقت المناسب بما هو مناسب، تثبيتا لفؤاد الرسول والمرسل إليهم، وتأنيسا له ولهم في آن واحد، الأمر الذي يكون أوقع في النفوس، لما فيه من تجاوب ملموس، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في هذا الربع ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا .
ومجمل القول أن نزول القرآن منجما ومفرقا كان هو الطريق المضمون لتلقي الرسول رسالة ربه على أكمل وجه، ولتلقينه المرسل إليهم آيات الذكر الحكيم، وتكاليف دينهم القويم، وبذلك امتزجت روح الإسلام بنفوس الأفراد والجماعات، وقام على أنقاض المجتمع الجاهلي مجتمع إسلامي الطابع، يعتبر هو المثل الأعلى والقدوة الصالحة، لما ينشأ على غراره من المجتمعات.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير