ربُّك من الهُدَاة والنُّصَّار (١). وهذا مما قد تقدم فيه الكلام (٢).
٣٢ - وقوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (٣) قال الكلبي: كانت كفار قريش يأتون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيتعنتونه، ويسألونه، ويقولون: تزعم أنك رسول من عند الله أفلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة، والإنجيل، والزبور (٤) فأنزل الله هذه
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦.
(٢) قال الواحدي في تفسير الآية ٦، من سورة النساء وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا والباء في قوله: وَكَفَى بِاللهِ وَكَفَى بِرَبِّكَ في جميع القرآن زائدة. قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربك. واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا [النساء: ٤٥]. وتفسير هذه الآية من القسم المفقود من البسيط.
(٣) لم يسندوا فعل التنزيل لله -عَزَّ وَجَلَّ-، لكونهم ينكرون ذلك، فلإنكارهم إنزال القرآن من عند الله تعالى بني الفعل للمفعول نُزِّلَ. والله أعلم. "نظم الدرر" ١٣/ ٣٧٨.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وهذا يدل على اعتراضهم على كيفية نزول القرآن، أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال المشركون: إن كان محمد كما يزعم نبيًا فلم يعذبه ربه، ألا ينزل عليه القرآن
الآية (١). والمعنى: هلا نزل عليه القرآن في وقت واحد (٢).
(١) قال الزمخشري ٣/ ٢٧٠: نُزَّل هاهنا بمعنى: أنزل، لا غير، كخبَّر بمعنى: أخبر، وإلا كان متدافعاً. قال أبو حيان ٦/ ٤٥٥: وإنما قال: إنَّ نُزَّل بمعنى: أنزل؛ لأن: نزَّل عنده أصلها أن تكون للتفريق، فلو أقره على أصله عنده من الدلالة على التفريق تدافع هو.. وقد قررنا أن: نزل لا تقتضي التفريق؛ لأن التضعيف فيه عندنا مرادف للهمزة وذكر نحوه ابن عاشور ١٩/ ١٩. وقد ورد القرآن باللفظين، في موضع واحد، قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ [محمد: ٢٠].
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦. وأنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ- القرآن جملة واحدة من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، في ليلة القدر، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] وقال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان: ٣]، ثم نزل بعدُ مفرقاً على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد بين هذا وفصله ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرج عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩؛ لكن إسناده ضعيف، لضعف حكيم بن جبير، انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٥٨٣، و"التقريب" ٢٦٥. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، نحوه، مختصرًا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا، وفي إسناده: أبو يحيى =
قال الله تعالى: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ قال الزجاج: أنزلناه كذلك متفرقًا؛ لأن معنى قولهم: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً يدل على معنى: لِمَ نزل عليه القرآن متفرقًا فأعلموا لِمَ ذلك (١)؛ وهو قول: لِنُثَبِّتَ وذهب قوم إلى أن قوله: كَذَلِكَ من كلام المشركين؛ فقالوا: إنهم قالوا: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ أي: كالتوراة، والإنجيل، والكتب المتقدمة (٢). وعلى هذا نحتاج إلى إضمار في الآية
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦. وقد اقتصر الواحدي -رحمه الله- على هذا القول في: "الوسيط" ٣/ ٣٤٠، و"الوجيز" ص ٧٧٨، مما يدل على اختياره له، وإن لم يصرح بهذا هنا. والله أعلم.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧، ولم ينسبه. ونقله عنه النحاس، القطع والائتناف ٢/ ٤٨٣. وقال النحاس في "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٠: والأولى أن يكون التمام جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ لأنه إذا وقف على كَذَلِكَ صار المعنى: كالتوراة والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر. وهذا قول حسن، ولأن مشركي قريش لم يكونوا أهل كتاب حتى يطالبوا بالمثلية؛ وعليه فإن هذه الآية لا تصلح دليلاً للقول بأن الكتب السماوية السابقة كانت تنزل جملة واحدة، وما ذُكر من حكمة الإنزال المفرق تشهد للقول بأنها كانت تنزل مفرقة. وقد ورد هذا المعنى صريحاً في قولٍ لابن عباس -رضي الله عنهما- أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، بلفظ: لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك، يعني. بوحيه الذي نزل به جبريل عليك من عند الله، وكذلك يفعل بالمرسلين من قبلك. لكن في إسناده بشر بن عمارة، وهو ضعيف، =
.........................
وأما قول الله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف. ١٤٥] فقد وقع الخلاف بين المفسرين هل هذه الألواح هي التوراة أم لا؟. قال ابن كثير بعد أن ذكر الخلاف: وعلى كل تقدير كانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منه. "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٧٤.
ليصح النظم، وهو أن نقول: تقديره: أنزلناه متفرقًا لنثبت به فؤادك (١). أى: ليقوى به قلبك، فتزداد بصيرة. وذلك أنه إذا كان الوحي يأتيه متجددًا في كل أمر وحادثة كان ذلك أزيد في بصيرته، وأقوى لقلبه (٢). وذكرنا معنى تثبيت الفؤاد عند قوله: مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود: ١٢٠] (٣). وقال أبو عبيدة: لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ أي: لنطيب به نفسك، ونشجعك (٤). وهذا معنى ما ذكرناه.
قوله تعالى: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا قال ابن عباس: بيَّناه بيانًا (٥). وقال إبراهيم: فرَّقناه في التنزيل (٦). وهو معنى قول الحسن (٧). وقال السدي:
(٢) "الوسيط" ٣/ ٣٤٠. وذكر مقاتل ٤٥ أ، أن التثبيت هنا للقرآن في قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يعني: ليثبت القرآن في قلبك. وفي "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٣٢ الخطاب هنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون
(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: يريد: لنزيدك يقينًا، وفسر التثبيت هاهنا بالتشديد عن ابن عباس، وبالتقوية عن الضحاك، والتصبير عن ابن جريج؛ وهو الأقرب؛ لأن ما يُقص عليه من إنباء الرسل إنما هو للإعتبار بها لما فيها من حسن صبرهم على أممهم.
(٤) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٤. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٣: لنطيب به فؤادك، ونحفظ به قلبك.
(٥) في "الوسيط" ٣/ ٣٤٠، منسوبًا لابن عباس -رضي الله عنهما-: بيناه تبييناً. وهو كذلك في "الوجيز" ص ٧٧٨، لكنه غير منسوب. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٣: تبياناً، بدل: بياناً. ونسبه الهواري ٣/ ٢٠٩، لقتادة، وأخرجه عن قتادة ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١. وأخرج أيضًا عن ابن عباس: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، يقول: شيء بعد شيء.
(٦) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١.
(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٩. وابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠.
فصَّلناه تفصيلًا (١). وقال الزجاج: أنزلناه على الترتيل؛ وهو: ضد العجلة (٢).
وقال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين (٣).
قال الليث: الرَّتَل، بفتح التاء: تنسيق الشيء. وثغر رَتِل، حسن المُتَنَضَّد. ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه. وهو يترتل في كلامه، ويترسل (٤). فمعنى الترتيل في الكلام: أن يأتي به بعضُه في أثر بعض، على تؤدة، وتمهل؛ كما لثغر الرتَل، وهو: ضد المتراص. وهذا معنى قول مجاهد، في تفسير الترتيل: بعضه على أثر بعض (٥).
قال المفسرون: وكان بين أول نزول القرآن، وآخره، نحو من: ثلاث وعشرين سنة (٦). وإنما أنزلت التوراة جملة؛ لأنها نزلت مكتوبة، على نبي
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦.
(٣) ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة"١٤/ ٢٦٨ (رتل)، عن أبي العباس، بلفظ: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتمكين، أراد: في قراءة القرآن.
(٤) كتاب "العين" ٨/ ١١٣ (رتل)، ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٤/ ٢٦٨ (رتل). قال ابن عاشور ١٩/ ٢٠: اتفقت أقوال أئمة اللغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم: ثغر مرتَّل، ورتِل... ولم يوردوا شاهداً عليه من كلام العرب.
(٥) "تهذيب اللغة" ١٤/ ٢٦٨ (رتل). ويجوز أن يراد بـ وَرَتَّلْنَاهُ أمرنا بترتيله، أي بقراءته مرتلاً، أي: بتمهل بأن لا يعجَل في قراءته، كقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤]. "تفسير ابن عاشور" ١٩/ ٢٠. وأثر وإثر معناهما واحد؛ قال ابن السكيت: يقال خرجت في أثره وإثره. "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٢١ (أثر).
(٦) أكثر أهل العلم على ذلك، وما ورد من تحديد المدة بعشرين سنة، أو: اثنتين وعشرين، فمحمول على التقريب لا التحديد. والله أعلم. وممن ورد عنه القول بعشرين سنة؟ ابن عباس، أخرجه عنه النسائي. في "السنن الكبرى" ٥/ ٦، =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي