ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

كلام الظالمين في الكتاب الحكيم :
والرسول الكريم ورد رب العالمين
" وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون، فقد جاءوا ظلما و زورا.
و قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلا.
قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات و الأرض إنه كان غفورا رحيما " (١)
( سورة الفرقان الآيات ٤، ٥، ٦ )
الألفاظ
( كفروا ) غطوا الحق بإنكاره وعدم الاعتراف والإعلان به. وكل من غطى شيئا وستره فقد كفره. وسمى الليل كافرا لأنه يغطي الأشياء بظلامه، والزارع كافر لأنه يغطي البذر بالتراب.
( إفك ) : كذب مصروف عن وجه الحق، من أفكه يفكه أفكا أي صرفه.
( افتراه ) : اختلقه واخترع صورته
( جاءوا ) وردوه وانتهوا إليه.
( ظلما ) : وضع الشيء في غير موضعه.
( زورا ) : شهادة بالباطل.
( أساطير ) : جمع أسطورة أي أخبار وحكايات مسطورة في كتب الأوائل. ليست محل الثقة.
( اكتتبها ) : أمر بكتابتها له، وافتعل يأتي للطلب كاحتجم واقتصده.
( تملى ) تلقى عليه ليحفظها فيلقيها على الناس.
( بكرة ) ما بين الفجر والطلوع، ( أصيلا ) ما بعد العصر إلى الغروب ( السر ) الخفي من كل شيء.
( غفورا ) ستار للذنوب كثير التجاوز عنها ( رحيما ) دائم الإفاضة للنعم.
المعنى :
وقال الذين أنكروا الحق – مع ظهوره وجحوده مع وضوحه - : ما هذا الكلام الذي يتلوه محمد علينا، إلا كلام كذب مصروف عن وجه الحق، اخترعه وصوره، وأعانه عليه غير أناس آخرون.
فقد سموا الحق الصراح والصدق الخالص إفكا.
وجعلوا إخبار الأميين الذين كانوا يدعونه هم أمينا – افتراء.
و جعلوا القرآن الذي عجزوا عن معارضته، كلاما متعاونا على تركيبه و تصويره، فسموا الشيء بغير اسمه، ووضعوا الوصف في غير موضعه.
فانتهوا بذلك إلى ظلم عظيم أتوه ووقعوا فيه.
وقد شهدوا بالباطل فنسبوا للرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ما هو بريء منه من الافتراء والاستعانة بغيره، فانتهوا إلى وزر عظيم تحملوه.
و قالوا – أيضا - : هذا الذي يتلوه علينا، هو من أخبار الأوائل وكتبهم المسطورة التي سطروها من أعاجيب أحاديثهم، مما يتلهى به ولا يوثق بصحته.
توصل إليها من غيره أمر فكتبت له فكاتبها له يمليها عليه دائما في طرفي النهار فيحفظها هو و يأتينا بها.
قل – يا محمد – أنزل هذا الذي أتلوه عليكم الخالق الذي يعلم الشيء الخفي، والأمر المكتوم في العالم العلوي والعالم السفلي.
أمهلكم فلم يعاجلكم بالعذاب، وبقي يجدد لكم التذكير مع إعراضكم وعنادكم، وقبح صنيعكم، و سوء ردكم، إلا أنه من شأنه الصفح والتجاوز ودوام الإنعام والتفضل.
فهل لكم أن ترجعوا إلى هذا الرب الغفور الرحيم ؟
مزيد بيان :
بسط الكلام لتوضيح المقام
بهر العرب ما رأوا وما سمعوا من رجل، كان بالأمس معرضا عنهم تاركا لهم وشأنهم، يشهد موسم الحج معهم و يحتسب مشاهد وثنيتهم، ولكنه لا يعاديهم و لا ينكر عليهم، و يسير بينهم بالصدق والجد والعفاف وكمال المروءة سيرة تخالف سيرتهم ؛ فهم لذلك يحبونه ويعظمونه ويدعونه الأمين، لقبا خصصوه به فصار يدعى به بينهم.
فأصبح اليوم – وقد جاوز الأربعين – ينكر عليهم، ويسفه أحلامهم، و يقبح عبادتهم وما يعبدون، و يصبر على أذاهم ولا يقابلهم بالمثل، ويستمر على دعوته غير مبال بهم، ولا حاسب شيئا لكثرتهم، ولا لسطوتهم.
( ومن كلام مثل كلامهم في ألفاظه وتراكيبه، ثم هم يعجزون عن معارضته بمثل أقصر سورة منه.
ثم يشهدون الفرق بينه وبين كلام محمد نفسه ؛ فهو إذا حدثهم بما اعتادوا من حديثه معهم، حتى إذا تلا عليهم القرآن جاءهم بما هو فوق كلامه وكلامهم، وما تقصر عن معارضته ألسنتهم.
مزاعم الكفار :
بهرهم هذا، وهذا، و أخذ العناد بعقولهم، واستحوذت عليهم شياطينهم فحاروا فيما يقذفون به هذا الرسول وهذا الكتاب.
فأخذوا يقولون عن الكتاب :
إنه إفك مفترى ! ! ورأوه أكبر مما كانوا يسمعون من كلام محمد فلم يكن ليأتي به وحده وهو فوق المعتاد من كلامه، فإذا هنالك أقوام يعينونه.
ومن هم الأقوام ؟ وهو- بعد – في نفر قليل ممن آمن به، وهم م في كثرتهم وتساندهم، وقد عجزوا عن الإتيان بشيء مثله، فالقليل أحرى بالعجز من الكثير(٢).
حكاية الأساطير
ويقولون : إنه أساطير الأولين، وقد كان منهم من عرف شيئا من أخبار للفرس وملوكهم، وكان يحدثهم بها، ويقصها عليهم، ويزعم لهم أنها مثل ما يأتي به محمد فقالوا – وقد علموا الفرق – هذه منها وهي مثلها !.
ولكن محمدا عرفوه أميا لا يقرأ ولا يكتب، فكيف اتصل بهاته التي زعموها أساطير ؟
فاخترعوا وسيلة لذلك أنه يكتبها له غيره و يمليها عليه وهو يحفظها ! !
ومن هو هذا الذي يكتب ويملي عليه، وهم قد عرفوا مدخل محمد ومخرجه ومغداه ومجلسه، وعرفوا بلدتهم ومن يساكنهم فكيف لا يرونه و لا مرة بين يدي هذا الكاتب المملي، ولا يشاهدونه يوما في صحبته ؟ !
فاخترعوا لذلك أنه يمليها عليه في طرفي النهار في ظلام من الوقت، وسكون من الناس.
و قالوا في الرسول– صلى الله عليه وآله وسلم – إنه مفتر، يستعين على افترائه بغيره، ويتظاهر باستقلاله، وينسب لله ما هو من حكايات الأوائل و أوضاعهم. فيكذب عليه – تعالى – لديهم.
والرد عليهم
رد الله عليهم كل ما قالوا فيهما :
بأنه ظلم وزور.
و أن ما يتلوه عليه هذا النبي الكريم، من ذلك الكتاب الحكيم، ليس إلا من خالق المخلوقات، العالم بأسرارها.
أسلوب في البيان :
لقد جاءوا الظلم والزور في قولهم الأول، و قولهم الثاني(٣).
إيجاز في الرد
وقوله :" قل " أمر بما يرد قولهم الأول، وقولهم الثاني. غير أنه قصد إلى الإيجاز وعدم التكرار.
فجعل مع قولهم الأول الوصف وهو الظلم، واكتفى بذكره(٤)هنا عن إعادته.
وجعل مع قولهم الثاني الدليل : وهو إنزال من يعلم السر واكتفى بذكره هنا عن ذكره مع الأول فحذف من كل ما أثبت مع الآخر(٥)وجعل الوصف مع الأول والدليل مع الثاني ترقيا من الدعوى للدليل.
وجه الدليل :
من إعجاز القرآن
القرآن أعجز العرب ببلاغته، حتى عرفوا – وعرف – العلماء بلسانهم المرتاضين ببيانهم – أنه ليس مثله من طوق البشر. هذه هي الناحية الظاهرة في إعجاز القرآن والاستدلال به وله ولمن أتي به – صلى الله عليه وآله وسلم -.
وهنالك ناحية أخرى هي أعظم وأعم / وهي ناحيته العلمية التي يذعن لها كل ذي فهم من جميع الأمم، في كل قطر وفي كل زمن.
وهذه الناحية هي التي احتج بها في هذا الموطن :
فقد استدل على القرآن لا يمكن أن يكون أتى به محمد من عنده، ولا يمكن أن يستعين عليه بغيره، و لا أن يكون من أوضاع الأوائل، بأنه ينطوي على أشياء من أسرار الأمم الخالية، وبين من أسرار الكتب الماضية :
وما أنبأ به من أحداث مستقبلة، و ما ذكر من حقائق كونية، كانت لذلك العهد عند جميع البشر مجهولة كالزوجية في كل شيء، وسبح الكواكب في الفضاء، وسير الشمس إلى مستقر مجهول معين عند الله لها.
وغير ذلك من أسرار العمران والاجتماع، وما تصلح عليه حياة الإنسان، مما تتوالى على تصديقه تجارب العلماء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم.
فكتاب اشتمل على كل هذه الأسرار لا يمكن أن يأتي به مخلوق.
ترغيب :
قد دعانا الله إلى العلم ورغبنا في غير ما آية، وأعلمنا أنه خلق لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعا.
وأمرنا بالنظر في خلقه لنا و أعلمنا هنا أن هذه المخلوقات أسرار بينها القرآن واشتمل عليها.
وكان ذلك من حجته العلمية على الخلق فكان في هذا ترغيب لنا في التقصي في العلم والتعمق في البحث(٦)لنطلع على كل ما نستطيع الاطلاع عليه من تلك الأسرار : أسرار آيات الأكوان والعمران، و آيات القرآن ؛ فنزداد علما وعرفانا، ونزيد الدين حجة وبرهانا، ونجني من هذا الكون جلائل ودقائق النعم، فيعظم شكرنا للرب الكريم المنعم.
فقهنا الله في كتابه، ووفقنا إلى الاهتداء به، والسير على سننه.

١ نشر تفسير هذه الآيات في الجزء ٣ من المجلد ١٣ سنة ١٩٣٧ ولم تطبع في الجزء الذي طبعه المرحوم أحمد بوشمال فألحقناه بأخواتها في السورة هنا..
٢ إذ زعموا أن أصحابة عاونوه في هذا الصدد..
٣ قولهم الأول :" إفك افتراه " والثاني :" أساطير الأولين اكتتبها "..
٤ عقب قولهم الأول..
٥ كقوله تعالى :" ومالي لا أعبد الذي فطرني و إليه ترجعون " إذ حذف : وفطركم، وإليه أرجع..
٦ علما وعملا..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير