ثم إن هذا الماء إنما يسقى على أيدي الوسائط. وكان القياس تعددهم كتعدد سحابات الأمطار بتعدد الأقطار، لكن خُولف ذلك في حق نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ تشريفاً لقدره، وتعظيماً لأمره، كما أشار إلى ذلك بقوله :
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً * فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً
يقول الحق جل جلاله : ولو شئنا لبَعَثْنَا في كل قريةٍ نذيراً أي : رسولاً يُنذر أهلها، ولقسمنا النذر بينهم كما قسمنا المطر، فيخف عليك أعباء النبوة، ولكنا لم نشأ ذلك ؛ فحملناك ثقل نذارة جميع القرى، حسبما نطق به قوله تعالى : لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً
[ الفرقان : ١ ] ؛ لتستوجب بذلك الدرجة القصوى، وتفضل على سائر الرسل والأنبياء، فلا تُطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم. وكما آثرْتُك على جميع الأنبياء فآثر رضاي على جميع الأهواء، وكأنه نهى للرسول صلى الله عليه وسلم عن المداراة معهم، والتقصير في الدعوة ؛ لئلا تغلبه الشفقة عن مقابلتهم بصريح الحق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي