من إكرام الله تعالى عبده تحميله أعباء الرسالة وحده
" ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ".
( سورة الفرقان الآية : ٥١ )
المناسبة :
قد استفيد من الآيات المتقدمة ما كان يكابده النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – من إذاية قومه، وما كان يلقاه من مكابرتهم للحق، وتعنتهم بالباطل.
وقد أحاط به الأعداء من كل جانب، ولقيته العقبات من كل ناحية.
وما كان يعانيه من الجهد الجهيد في إنذارهم، وتبليغ دين الله تعالى إليهم.
وهو في ذلك كله جاهد في القيام بتبليغ الأمانة، ناهض بأعباء الرسالة، ماض في تلك السبيل، ليس معه من نذير.
وقد كان ذلك مما تتفسخ له القوى البشرية لولا تأييد من الله، فأراد تعالى في هذه الآية أن يثبته في مقامه، ويؤنسه في انفراده ؛ فيبين له أن تخصيصه بالقيام هذا المقام العظيم، هو لأجل تعظيمه وتكريمه، وتخصيصه بالأجر الكثير، والثواب الذي ليس له من مثيل.
المفردات :
( البعث ) الإرسال.
( القرية ) منازل الناس حيث يقيمون ويكونون مجتمعا كبيرا أو صغيرا.
( النذير ) المخوف من الوقوع في الشر والهلاك.
التراكيب :
مفعول المشيئة محذوف قياسا، وتقدير الكلام : ولو شئنا أن نبعث.
والبعث في كل قرية منتف بحكم لو، لأنها هنا تدل على امتناع جوابها لامتناع شرطها.
المعنى :
لو أردنا لأرسلنا في كل بلدة ومصر رسولا، ينذرهم ويخوفهم من حلول نقمتنا بهم، بكفرهم بنا، ومعصيتهم لنا، فيخف عنك عبء ما حملت، ويسقط عنك بذلك تعب كثير.
ولكنا لم نرد ذلك، وحملناك أنت وحدك أعباء وأثقال النذارة لجميع القرى ؛ ليظهر فضلك بعموم رسالتك ؛ ويعظم أجرك بعظم جهادك وصبرك ؛ ويكثر ثوابك بكثرة من يؤمن بك، ومن تود وتعمل ليؤمن بك.
حديث :
صح عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال :
" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي(١).
كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، ويبعث إلى كل أحمر وأسود(٢).
وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي.
وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا ؛ فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان.
ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر.
وأعطيت الشفاعة ".
هكذا جاء هذا الحديث عن جابر بن عبد الله في صحيح مسلم.
وجاء فيه من طريق أبي هريرة زيادة :" وختم بي النبيون ".
فتعميم رسالته وختم النبوة به في الحديث الصحيح من طريقيه من مقتضى معنى الآية : فإنه لما عممت رسالته، ولم يكن معه رسول في حياته، وختمت به النبوة، فلا يكون كذلك بعد وفاته. ثبتت له كرامة الخصوصية، وعظمة المنزلة، وجزالة المثوبة، وهو ما كنا بيناه في معنى الآية.
وما أحسن التفسير عندما تعضده الأحاديث الصحاح ! !(٣).
تأس ورجاء :
قد ثبت في السنة ما يكون من كثرة الجهل، وموت السنة، وانتشار البدعة وقد أيد ذلك الواقع والمشاهدة.
فإذا كان دعاة العلم والسنة وخصوم الجهل والبدعة، فلا بد أن يكونوا قليلا من العدد الكثير. خصوصا في مبدإ أمرهم وأول دعوتهم، ولابد أن يلقوا ما يلقون، ويقاسوا ما يقاسون.
ومما يثبت قلوبهم في عظيم مواقفهم : تأسيهم بالنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – الذي جاء وحده بالحق، والناس كلهم على الباطل، فما زال يجاهد حتى لقى ربه.
ومما يثبت قلوبهم أيضا : رجاءهم – إذا أخلصوا النية وأحسنوا الاقتداء – فيما يكون لهم من الثواب كذلك فيمن اهتدى بهم، وفيمن بذلوا جهدهم في هدايته، وكانت لهم الرغبة العظيمة في إيصال الخير إليه وإن لم يرجع إليهم.
٢ ذكر اللونين الأحمر والأسود، لقصد التعميم، إلى الناس كافة والجن..
٣ إذ السنة تفسيره وبيانه..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي