ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمان فسئل به خبيرا٥٩ :
البعض يظن أن خلق السماوات والأرض شيء سهل، وأعظم منه خلق الإنسان، لكن الحق- تبارك وتعالى- يقول : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس... ٥٧ ( غافر ).
فالإنسان يخلقه الله، وقد يموت بعد يوم، أو بعد مائة عام، وقد تصيبه في حياته الأمراض، أما السماوات والأرض، فقد خلقها الله تعالى بهندسة دقيقة، وقوانين لا تتخلف ولا تختل مع ما يمر عليها من أزمنة، وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان : إن السماوات والأرض هذه خلقتي وصنعتي، لو تدبرت فيها وتأملتها لوجدتها أعظم من خلقك أنت.
وقوله تعالى : في ستة أيام... ٥٩ ( الفرقان ) : سبق أن تكلمنا في هذه المسألة وقلنا : إن جمهرة آيات القرآن تدل على أن الخلق تم في مدة ستة أيام إلا سورة واحدة تشعر آياتها أن الخلق في ثمانية أيام، وهي سورة فصلت :
حيث يقول فيها الحق سبحانه وتعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ١٠ ثم استوى إلى السماء وهي دخان١ فقال لها وللأرض ائتنا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ١١ فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ١٢ ( فصلت ).
وجملة هذه ثمانية أيام، وكل مجمل يخضع للتفصيل إلا تفصيل العدد فيرجع للمجمل، كيف ؟
الحق سبحانه يتكلم هنا عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم تكلم عن خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، فالأربعة الأيام هذه تكملة لخلق الأرض فهي تكملة ليومين، كأنه قال في تتمة أربعة أيام، فالأرض في يومين والباقي أكمل الأربعة. كما تقول : سرت إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين أي يدخل فيهما الساعة الأولى إلى طنطا، فاليومان من الأربعة الأيام.
لكن، كيف نقدر هذا اليوم ؟ الله يخاطبنا باليوم الذي نعرفه ونعرف مدلوله، فالمعنى : في ستة أيام من أيامكم التي تعرفونها.
وإلا لو كان المراد يوما لا نعرفه نحن، فسيكون لا معنى له ؛ لأننا لا نفهمه.
ولقائل أن يقول : كيف يستغرق الخلق كل هذه المدة والحق –تبارك وتعالى- يخلق بكن، وكن لا تحتاج وقتا ؟ قالوا : فرق بين عملية الخلق وما يحتاجه المخلوق في ذاته.
فأنت مثلا، إن أردت أن تصنع كوبا من الزبادي تحضر اللبن مثلا وتضع عليه خميرة الزبادي المعروفة المأخوذة من زبادي دسم سبق صنعه، وتضعه في درجة حرارة معينة، بعد هذه العملية تكون قد صنعت الزبادي فعلا، لكن هل يمكنك أن تأكل منه فور الانتهاء من صناعته ؟ لا، بل لا بد أن تتركه عدة ساعات لتتفاعل عناصره، فهل تقول : أنا صنعت الزبادي في عدة ساعات مثلا ؟.
كذلك، حين تذهب إلى ( الترزي ) لتفصيل ثوب مثلا يقول لك : موعدنا بعد شهر، فهل تستغرق خياطة الثوب شهرا ؟ لا، إنما مدته عنده شهر.
فالحق- تبارك وتعالى- يفعل ويخلق دون معالجة، وبالتالي دون زمن ؛ لأنه سبحانه يقول للشيء : كن فيكون.
وقوله سبحانه : ثم استوى على العرش... ٥٩ ( الفرقان ) : سبق أن تكلمنا في هذه المسألة. فاستوى تعني : صعد وارتفع وعلا وجلس، ونحن ننزه الله تعالى عن استواء يشابه استواء خلقه.
والاستواء هنا رمزية لتمام الأمر بما نعرفه في عادة الملوك في الجلوس على كرسي العرش، حين يتم لهم الأمر ويستتب.
و الرحمان... ٥٩ ( الفرقان ) : دليل على أن مسألة الخلق كلها تدور في إطار الرحمانية فاسأل به خبيرا٥٩ ( الفرقان ) : لأنه سبحانه خلق السماوات والأرض و خلقنا، ومع ذلك لا نعرف : كيف تم هذا الخلق ؟ ولن نستطيع أن نقف على تفصيل هذا الخلق، إلا إذا أطلعنا الخالق عليه، وإلا فهذا أمر لم نشاهده، فكيف نخوض فيه، كمن يقول : إن الأرض كانت قطعة من الشمس، ثم انفصلت عنها مع دوران الشمس... إلخ هذه الأقوال.
لذلك الحق- تبارك وتعالى- يحذرنا من سماع مثل هذه النظريات ؛ لأن مسألة الخلق لا تخضع للعلم التجريبي أبدا، فيقول سبحانه : ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا٢٥١ ( الكهف ).
إذن : سيوجد في الكون مضلون يقولون للناس مثل هذه الأقوال في الخلق، ويدعون بها أنهم علماء يعرفون ما لا يعرفه الناس، فاحذروهم فما شاهدوا عملية الخلق، وما كانوا مساعدين لله تعالى، فيطلعوا على تفاصيل الخلق.
لذلك تقوم هذه الأقوال في خلق الإنسان وخلق السماء والأرض دليلا على صدق هذه الآية، فما موقف هذه الآية –إذن- إذا لم تقل هذه الأقوال ؟.
ومثال ذلك الذين يحلو لهم التعصب للقرآن الكريم ضد الحديث النبوي يقول لك أحدهم : حدثني عن القرآن، سبحان الله، أتتعصب للقرآن ضد الرسول الذي بلغك القرآن، وما عرفت القرآن إلا من طريقه ؟ يعني( الواد رباني ) لا يعترف إلا بالقرآن. ونقول لمثل هذا الذي يهاجم الحديث النبوي : أنت صليت المغرب ثلاث ركعات، فأين هذا من القرآن ؟.
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" يوشك الرجل يتكئ على أريكته يحدث بحديثي فيقول : بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما كان حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ٣.
لماذا ؟ لأني أقول لكم من باطن قول الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا... ٧ ( الحشر ).
بالله، لو لم يجد الآن من يقول بهذا القول، فماذا سيكون موقف هذا الحديث ؟ وكيف لنا أن نفهمه ؟ لقد فضحهم هذا الحديث، وأبان ما عندهم من غباء، فقد كان بإمكانهم بعد أن عرفوا حديث رسول الله أن يمسكوا عن التعصب للقرآن ضد الحديث النبوي، فيكون الحديث ساعتها غير ذي معنى لكن هيهات.
نعود إلى موضوعنا، ونحن بصدد الكلام عن خلق السماوات وخلق الأرض، واستواء الحق- تبارك وتعالى- على العرش، وهاتان المسألتان لا تسأل فيهما إلا الله فاسأل به خبيرا ٥٩ ( الفرقان ) : لأنه وحده الذي يعلم خبايا الأمور، وهذه أمور لم يطلع عليها أحد فيخبرك بها.
وكلمة :( سأل ) الإنسان لا يسأل عن شيء إلا إذا كان يجهله، والسؤال له مراحل : فقد تجهل الشيء ولا تهتم به، ولا تريد أن تعرفه، فأنت واحد من ضمن الذين لا يعرفون، وقد تجهل الشيء لكن تهتم به، فتسأل عنه لاهتمامك به، فمرة نقول : اسأل به. ومرة نقول : اسأل عنه.
والمعنى : اسأل اهتماما به، أي : سبب اهتمامك به اسأل عنه خبيرا ليعطيك ويخبرك بما تريد، فهو وحده الذي يعرف خبايا الأمور ودقائقها، وعنده خبر خلق السماوات وخلق الأرض، ويعلم مسألة الاستواء على العرش ؛ لذلك إن سألت عن هاتين المسألتين، فلا تسأل إلا خبيرا.
والذين قالوا في قوله تعالى : فاسأل به خبيرا٥٩ ( الفرقان ) : أي : ممن يعلم الكلام عن الله من أهل الكتاب نقول : لا بأس ؛ لأنه سيؤول إلى الله تعالى في النهاية.

١ الدخان: يطلق على ما يرتفع فوق النار من غازات لم يتم احتراقها، وقد يطلق على البخار وما يشبهه من الغازات المتصاعدة، والمقصود أن مواد النجوم كانت في حالة غازية كالدخان ثم خلق منها السماوات(القاموس القويم١/٢٢٤)..
٢ أي: أعوانا مساعدين. وقال تعالى:قال سنشد عضدك بأخيك... ٣٥(القصص) أي: سنقويك به على سبيل المجاز المرسل، فتقوية العضد تقوية للإنسان كله.(القاموس القويم١/٢٤)..
٣ أخرجه أحمد في مسنده(٤/١٣٢)، والترمذي في سننه (٢٦٦٤)وابن ماجه في سننه (١٢)، والدارقطني (٤/٢٨٦) في سننه، واللفظ للدارقطني..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير