المعنى الجملي : بعد أن بسط سبحانه أدلة التوحيد، وأرشد إلى ما في الكون من باهر الآيات، وعظيم المشاهدات، التي تدل على بديع قدرته، وجليل حكمته - أعاد الكرة مرة أخرى، وبين شناعة أقوالهم وقبيح أفعالهم، إذ هم مع كل ما يشاهدون لا يرعوون من غيّهم، بل هم عن ذكر ربهم معرضون، فلا يعظّمون إلا الأحجار والأوثان وما لا نفع فيه إن عبد، وما لا ضر فيه إن ترك، إلى أنهم يظاهرون أولياء الشيطان، ويناوئون أولياء الرحمان ؛ وإن تعجب لشيء فاعجب لأمرهم، فقد بلغ من جهلهم أنهم يضارّون من جاء لنفعهم وهو الرسول الذي يبشرهم بالخير العميم إذا هم أطاعوا ربهم، وينذرهم بالويل والثبور إذا هم عصوه، ثم هو على ذلك لا يبتغي أجرا.
ثم أمر رسوله بألا يرهب وعيدهم ولا يخشى بأسهم، بل يتوكل على ربه، ويسبح بحمده، وينزهه عما لا يليق به من صفات النقص كالشريك والولد، وهو الخبير بأفعال عباده، فيجازيهم بما يستحقون.
الإيضاح : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أي وإذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم : اجعلوا خضوعكم وتعظيمكم للرحمان خالصا دون الآلهة والأوثان، قالوا على طريق التجاهل : وما الرحمان ؟أي نحن لا نعرف الرحمان فنسجد له.
ونحو هذا قول فرعون : وما رب العالمين ( الشعراء : ٢٣ )حين قال له موسى عليه السلام : إني رسول من رب العالمين ( الأعراف : ١٠٤ )وهو قد كان عليما به كما يؤذن بذلك قول موسى له : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ( الإسراء : ١٠٢ ).
ثم عجبوا أن يأمرهم بذلك وأنكروه عليه بقولهم :
أنسجد لما تأمرنا أي أنسجد للذي تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرفه.
ثم بين أنه كلما أمرهم بعبادته ازدادوا عنادا واستكبارا فقال :
وزادهم نفورا أي وزادهم هذا الأمر بالسجود نفورا وبعدا مما دعوا إليه، وقد كان من حقه أن يكون باعثا لهم على القبول ثم الفعل.
وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية : إلهي زدني لك خضوعا، ما زاد عداك نفورا.
روى الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سجدوا، فلما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين.
وبعد أن حكى عنهم مزيد النفرة من السجود له، ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود لمن له تلك الخصائص فقال : تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا .
تفسير المراغي
المراغي