ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

والذين يقولون ربنا هَبْ لنا من أزواجنا ، " من " : للبيان، كأنه قيل : هب لنا قرة أعين، ثم بُينت القرة وفُسرت بقوله : من أزواجنا وذرياتنا والمعنى : أن يجعلهم الله لهم قرة أعين ؛ بأن يروا منهم من الطاعة والإحسان ما تقر به العين. أو للابتداء، أي : هب لنا من جهتهم ما تقر به العين، من طاعة أو صلاح. و هب لنا أيضاً من ذرياتنا قُرةَ أعيُن ؛ بتوفيقهم للطاعة، ومبادرتهم للفضائل والكمالات، فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله تعالى وشاركوه فيها ؛ يسر قلبه، وتقر عينه ؛ بما شاهده من مقاربتهم له في الدين، ويكون ذلك سبباً في لحوقهم به في الجنة، حسبما وعد به قوله تعالى : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطور : ٢١ ].
وإنما قال :" أعين " ؛ بلفظ القلة، دون عيون ؛ لأن المراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى أعين غيرهم. والمعنى : أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجاً وأعقاباً، عُمَّالاً لله، يسرون بمكانهم، وتقر بهم عيونهم، قيل : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس :( هو الولد إذا رآه يكتب الفقه ).
واجعلنا للمتقين إماماً أي : أئمة يقتدى بنا في الدين، فاكتفى بالواحد ؛ لدلالته على الجنس، أو : واجعل كل واحد منا إماماً ؛ أي : من أولادنا إماماً. والظاهر : أن صدور هذا الدعاء منهم كان بطريق الانفراد ؛ إذ يتعذر اجتماعهم في دعاء واحد. وإنما كانت عبارة كل واحد منهم عند الدعاء : واجعلني للمتقين إماماً، غير أنه حكيت عبارة الكل بصيغة المتكلم مع الغير ؛ قصداً إلى الإيجاز، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [ المؤمنون : ٥١ ]. وأبقى إماماً على حاله من الانفراد. قيل : وفي الآية دليل على أن الرئاسة في الدين ينبغي أن تُطلب ويُرغب فيها، إذا كان القصد نفع عباد الله دون حظ نفساني.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قوله تعالى : وإذا مروا بأهل اللغو ، وهم المتكلمون في حس الأكوان، مروا كراماً ؛ مكرمين أنفسهم عن الالتفات إلى خوضهم. والذين إذا سمعوا الوعظ والتذكير أنصتوا بقلوبهم وأرواحهم، خلاف ما عليه العامة من التصامم والعمى عنه. والذين يقولون ربنا.. إلخ، قال القشيري : قرة الروح : حياتها، وإنما تكون كذلك إذا كان بحق الله قائماً. ويقال : قرة العين من كان لطاعة الله معانقاً، ولمخالفة أمره مفارقاً. هـ. قلت : قرة العين تكون في الولد الروحاني، كما تكون في الولد البشري ؛ فإن الشيخ إذا رأى تلميذه مُجِدّاً صادقاً في الطلب، حصل له بذلك غاية السرور والطرب، كما هو معلوم عند أرباب الفن. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وَصلَّى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وسَلَّمَ تسليماً.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير