ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

الصفة الثانية عشرة
" والذين يقولون : ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين.
واجعلنا للمتقين إماما ".
المناسبة :
لما وصفهم في الآيات المتقدمة، بما دل على أنهم أهل الخير وكمال أنفسهم.. وصفهم في هذه بما دل على محبتهم الخير والكمال لغيرهم من قرابتهم : أزواجهم، وذرتهم، ومن سواهم.
وقدم الأزواج على الذرية لأنهم ألصق ولأنهم الأصل.
فقه هذه المناسبة :
طبيعة الإنسان الكامل والناقص :
فطر الإنسان على محبته لنفسه، لتحمله هذه الفطرة على المحافظة عليها، والدفاع عنها، وتكميلها بكل وجوه الكمال. وكان من مقتضى هذه المحبة رغبته في الوجود والبقاء، ومما هو قوة في وجوده ومظهر لبقائه أن يرى الناس على فكره وصفاته وأحواله، فيرى نفسه ممثلة في غيره، وأفكاره وصفاته وأحواله باقية ببقاء الناس.
فالخير الكامل من طبعه، ومن مقتضى فطرته.. أنه يحب انتشار الخير والكمال في الناس.
والشرير الناقص من طبعه ومن مقتضى فطرته أنه يحب انتشار الشر والنقص فيهم. فلذا كان لازما لتتميم وصف عباد الرحمن ذكر محبتهم الخير والكمال لغيرهم.
ميزان من هذه المناسبة :
ميزان الإنسان :
قد تخفى عليك دخيلة نفس الإنسان فيمكنك أن تعرفها بما يجري به لسانه، فإذا جرت كلماته بمحبة انتشار الخير والكمال فهو من أهلها، وإذا جرت بالضد فهو على الضد ؛ فما يحب الإنسان انتشاره هو الدليل على صفات نفسه، وهو ميزان تزنه به في الشر والخير، والنقص والكمال١.
المفردات :
( الهبة ) : العطاء من غير عوض، ولا تكون على الحقيقة التامة إلا من الله، فهو الغني الوهاب٢.
( من ) : ابتدائية فمن ناحية الأزواج والذرية تكون قرة الأعين.
( الأزواج ) جمع زوج، وهو يصدق على الرجل والمرأة، والنساء شقائق الرجال وهذا الدعاء كما يكون من المؤمنين يكون من المؤمنات.
كما تصدق الآيات المتقدمة٣ على الموصوفين من الصنفين بتلك الصفات.
( الذرية ) : من تناسل منهم من أبنائهم وبناتهم. وقرئت بالإفراد لاتحادها في أصل النسل، وبالجمع لاختلافها في الفروع والأنساب.
( قرة أعين ) : بردها إن كانت من القر وهو البرد، وسكونها إن كانت من القرور بمعنى الاستقرار.
( الإمام ) : هو المتبع المقتدى به، لأن المراد به الجنس، وحسن الإفراد من جهة اللفظ لوقوعه فاصلة على وزان ما قبلها وما بعدها. ومن جهة المعنى أن أئمة الهدى كنفس واحدة، لاتحاد طريقهم بالسير على الصراط المستقيم، واتحاد وجهتهم بالقصد إلى الله تعالى وحده.
التراكيب :
( قرة أعين ) : تركيب كنائي فإذا كانت القرة من القر فهو كناية عن السرور، لأن العين في حالة السرور باردة، وإذا سالت منها دموع الحزن كانت سخنة.
ومما يقال على هذا : أقر الله عين المحق، وأسخن عين المبطل.
وجاء عليه قول أبي تمام :
فأما عيون العاشقين فأسخنت وأما عيون الشامتين فقرت
فقرة أعينهم على هذا، كناية عن سرورهم بأزواجهم وذريتهم، بما عليه من الخير والكمال وإعانتهم لهم عليهما.
وإذا كانت القرة من القرور، فهي كناية عن سكون النفس بحصولها على ما يرضيها من الأزواج والذرية.
ومعنى هذا : أن النفس إذا لم تحصل على ما يرضيها، تعلقت بما عند غيرها وتشوفت إليه، فتمتد إليه العين، ويطمح إليه البصر، وإذا حصلت على ما يرضيها زالت عن ذلك التعلق و انكفت عن التشوف ؛ فسكنت العين فلم تمتد إلى غير ما عندها، ولم يطمح البصر إليه ؛ ولهذا كما كان قرور العين كناية عن رضى النفس وسكونها كان امتداد العين كناية عن اضطراب النفس وتشوفها وتعلقها. وعليه قوله تعالى :
" ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى٤.
فقرة أعينهم على هذا كناية عن رضى أنفسهم بما يكون لهم من أزواج وذرية، موصوفين بالصفات المرضية، من طاعة الله في القيام بوظائف الدين والدنيا، وإعانتهم لهم على القيام بها.
المعنى :
ومن صفات عباد الرحمن : أنهم يدعون ربهم : يسألونه أن يهب لهم أزواجا وذرية، تقر بهم أعينهم، بأن يكونوا موصوفين بمثل صفاتهم سائرين على مناهجهم، معينين لهم على ما هم عليه٥، ويسألونه أن يكونوا على أكمل حال في العلم والعمل والاستقامة، يقتدى بهم فيها المتقون.
الأحكام :
الزواج والتبتل :
الأول :
التزوج وطلب النسل هو السنة : سنة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وسنة أصحابه عليهم الرضوان، وسنة عباد الرحمن، وليس من شريعة الحنيفية السمحة، الرهبانية، والتبتل.
وقد رأى قوم من الزهاد رجحان الانقطاع إلى العبادة على التزويج والاشتغال بالسعي على الزوج والذرية، فرد عليهم أئمة الدين والفتوى بأن في التزوج اتباعا للسنة، وفي السعي على الأهل ما هو من أعظم العبادة.
وفي التزوج تكثير سواد الأمة والمدافعين عن الملة والقائمين بمصالح الدين والدنيا، وفي هذا ما فيه من الأجر والمثوبة.
وفي التبتل مخالفة السنة، وانقطاع النسل، وضعف الأمة وتعطيل المصالح، وخراب العمران، وكفى بهذا كله شرا وفسادا ! !
الثاني :
اختيار الزوجة :
سؤال العبد من ربه أن يهب له من الزوج والذرية ما تقر به عينه، يقتضي سعيه بقدر استطاعته لتحصيل ذلك فيهما، ليقوم بالسببين المشروعين من السعي والدعاء :
فعليه أن يختار ويجتهد عندما يريد التزوج.
وأن يقصد إلى ذات الدين٦.
وفي اختياره واجتهاده في جانب الزوجة سعي في اختيار الولد ؛ فإن الزوجة الصالحة شأنها أن تربي أولادها على الخير والصلاح.
ثم عليه أن يقوم بتعليم زوجه وأولاده وتهذيبهم وإرشادهم، فيكون قد قام بما عليه في الابتداء والاستمرار، مع دوام التضرع إلى الله تعالى والابتهال.
الثالث :
السرور مشروع :
ما تقر به الأعين يحصل به الفرح والسرور ؛ فالفرح والسرور بما هو خير وطاعة من حيث أنه نعمة من الله وفضل – محمود ومشروع.
الرابع :
طلب الكمال كمال :
طلب الرتب العليا في الخير والكمال والسبق إليها والتقدم فيها، مما يدعونا إليه اله، ويرغبنا بمثل هذه الآية فيه، كما قال تعالى :
" فاستبقوا الخيرات " ؛ لأن طلب الكمال كمال ؛ و لأن من كانت غايته الرتب العليا، إن لم يصل إلى أعلاها لم ينحط عن أدناها، وإن لم يساو طلب الكمال كمال ؛ و لأن من كانت غايته الرتب العليا، إن لم يصل إلى أعلاها لم ينحط عن أدناها، وإن لم يساو أهلها لم يبعد عنهم.
ومن لم يطلب الكمال بقي في النقص، ومن لم تكن له غاية سامية قصر في السعي، وتوانى في العمل.
فالمؤمن يطلب أسمى الغايات حتى إذا لم يصل لم يبعد، وحتى يكون في مظنة الوصول بصحة القصد والنية.
الخامس :
الاقتداء :
من الدين الاقتداء بأهل العلم والعمل والاستقامة في الهدى والسمت.
السادس :
التقوى :
لا يكون الإمام إلا تقيا فاق غيره في التقوى.
السابع :
إن اقتداء المتقين بأئمتهم إنما هو في التقوى ؛ لأنهم ما كانوا أئمة إلا بها فالآية أفادت : أن المتقين يقتدون بأئمتهم، وأن أئمتهم متقون مثلهم، وأكمل منهم التقوى، وإن اقتداءهم بهم في التقوى لا في غيرها فمن حاد عنها فلا إمامة له.
تمييز :
حيثيات طلب الكمال :
الخير الكامل، المقدم في الخير والكمال، المقتدى به فيهما إذا طلب الإمامة.
من حيث الخير والكمال نفسهما.
ومن حيث حمل الناس عليهما بالقدوة الصالحة له فيهما ؛ لأن فعل الخير والاتصاف بالكمال دعوة إليهما بالعمل، وهي أبلغ من الدعوة بالقول.
ومن حيث انتشارهما في الناس وسعادة الناس بهما..
إذا طلب الإمامة من هذه الحيثيات فطلبه مشروع محمود، وهو طلب عباد الرحمن المذكور في الآية.
وإذا طلب الإمامة والتقدم لأجل الترأس والتقدم، فهذا طلب مذموم من عمل المتكبرين لا من عمل المتقين.
فعلى الداعي أن يميز هذا التمييز ليخلص القصد في دعائه ويكون على صواب فيه.
كلمة عظيمة من إمام عظيم :
من هم الأئمة :
قال مجاهد التابعي الجليل الثقة الثبت المفسر الكبير :
" أئمة، نقتدي بمن قبلنا ويقتدى بنا من بعدنا ". ذكره البخاري، ورواه ابن جرير يسند صحيح : يعني أن الذين يقتدى بهم الناس من بعدهم هم الذين كانوا يقتدون بسلفهم الصالح من قبلهم.
فالذين أحدثوا في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح لم يقتدوا بمن قبلهم، فليسوا أهلا لأن يقتدى بهم من بعدهم.
فكل من اخترع وابتدع في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح فهو ساقط عن رتبة الإمامة فيه٧.
سلوك واقتداء :
كان الأعرابي الجاهل المشرك يأتي للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيؤمن به، و يصحبه يتعلم منه الدين، ويأخذ عنه الهدى، فيستنير عقله بعقائد الحق، وتتزكى نفسه بصفات الفضل، وتستقيم أعماله على طريق الهدى ؛ فيرجع إلى قومه هاديا مهديا، إماما يقتدى به ويؤخذ عنه كما اقتدى هو بالنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وأخذ عنه.
فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك، فيحضر مجالس العلم التي تذكره بآيات الله، وأحاديث رسوله ما يصحح عقيدته، ويزكي نفسه، ويقوم عمله.
وليطبق ما يسمعه على نفسه، وليجاهد في تنفيذه على ظاهره وباطنه، وليداوم على هذا، حتى يبلغ إلى ما قدر له من كمال فيه، فيرجع وهو قد صار قدوة لغيره في حاله وسلوكه.
وطلبة علم الدين، الذين وهبوا نفوسهم لله، وقصروا أعمارهم على طلب العلم لدعوة الخلق إلى اله، هم المطالبون – على الأخص – بهذا السلوك ليصلوا إلى إمامة الحق، وهداية الخلق على أكمل حالة، ومن أقرب طريق.
فاللهم وفقنا، و اهدنا إلى سنة نبينا، إذا اقتدينا وإذا اقتدي بنا. آمين يا رب العالمين.

١ ولذا يقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم ويقول المتنبي : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه..
٢ ومن الناس مجازا باعتبارهم خلفاء الله في أرضه..
٣ في صفات عباد الرحمن..
٤ طه : ٣١..
٥ ويدعون لوالديهم بعد مماتهم فتصل الحسنات إليهم كما جاء في حديث الرسول..
٦ فقد ورد أن من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوج امرأة لجمالها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لحبها أذله الله على يديها، ومن تزوج امرأة لدينها بارك الله له فيها..
٧ يقصد ما أحدثه بعض الطرقيين من البدع والخرافات..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير