ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ

ملك النبوة مجمع الحق والخير ومظهر الجمال والقوة
الفصل الأول :
" ولقد آتينا داوود وسليمان علما، وقالا : الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ". ( ١٥ ) وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين ( ١٦ ) وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ( ١٧ ) حتى إذا أتو على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهو لا يشعرون ( ١٨ فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ( ١٩ ) وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ( ٢٠ ) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ( ٢١ ) فمكت غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين ( ٢٢ ) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء وله عرش عظيم ( ٢٣ ) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطكان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ( ٢٤ ) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ( ٢٥ ).
تمهيد :
النبوة والملك :
( النبوة ) منزلة من الكمال التام البشري، يهيء الله لها من يشاء من عباده، فيكون بذلك مستعدا لتلقي الوحي والاتصال بعالم الملائكة، ولتحمل أعباء ما يلقى إليه وتكاليف تبليغه بالقول والعمل، وتحمل كل بلاء يلقاه في سبيل ذلك التبليغ.
( والملك ) : ولاية على المجتمع لحفظ نظامه، تقتضي عموم النظر، وشمول التصرف في روابط الناس، معاملاتهم وتصرفاتهم، وتسييرهم في ذلك كله على أصول عادلة توصل كل أحد إلى حقه، وتكفه عن حق غيره، ليعشوا في رخاء وسلام، ويبلغوا غاية ما يستطيعون من متع الحياة.
وقد يتصف الشخص بالنبوة دوم الملك ؛ فيكون مبلغا عن الله، ولا يكون له التنفيذ والإدارة والتنظيم.
وقد يتصف الشخص بالملك دون النبوة.
وقد وجد الشخصان في ( شمويل ) و ( طالوت )، فكان الأول نبيا، وكان الثاني ملكا كما قال تعالى :" وقال لهم نبيئهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ".
و قد يجمع بينهما مثل داوود وسليمان عليهما السلام.
ثم إن ( الملك ) قد تكون الأصول التي يستند إليها مستمدة من أوضاع البشر، لحفظ مصالحهم في الحياة الدنيا ؛ فيكون ملكا بشريا، وقد تكون تلك الأصول مستمدة من وحي الله ؛ بما فيه حفظ مصالح العباد في الدنيا، وتحصيل سعادتهم فيها وفي الأخرى، فيكون ملك نبوة.
من طبيعة ملك النبوة :
النبوة نصرة للحق :
١. التزام الحق ونصرته حيثما كان. بإقامة ميزان العدل في القول والحكم والشهادة بين الناس أجمعين، المعادين والموالين، كما قال الله تعالى :
" وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ".
" وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ".
" ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن ى تعدلوا، اعدلوا هو أقرب لتقوى ".
" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تولوا تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ".
والوفاء :
٢. وبالوفاء بالعقود والعهود بين الأفراد والجماعات، كما قال تعالى :
" أوفوا بالعقود "، " وبعهد الله أوفوا "، " وأوفوا بعهد اله إذا عاهدتهم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها "، " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ".
وبغير هذا من وجوه التزام الحق ونصرته...
وبث الخير :
٣. وبث الخير بين الناس بنشر الهداية والإحسان دون تمييز بين الأجناس والألوان، كما قال الله تعالى :
" وافعلوا الخير لعلكم تفلحون "، " وأحسنوا إن الله يحب المحسنين "، " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين ".
وإعداد القوة
٤. ومن طبيعته الدعوة إلى القوة والتنويه بها وبناء الحياة عليها، لكن في نطاق العدل والرحمة ولدفاع المعتدين، كما قال تعالى :
" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة "، " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس "، وقبلها " وأنزلنا الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " فقوة الحديد لحفظ الكتاب والميزان وحمل الناس عليهما. " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله، واعلموا أن الله مع المتقين ".
" والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين "...
حب الجمال :
٥. ومن طبيعة الدعوة إلى الجمال والتحبيب فيه في جميع مظاهر الحياة، لكن في نطاق الفضيلة والعفاف، كما قال تعالى :
" ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم "، " وصوركم فأحسن صوركم ".
" أحسن كل شيء خلقه ثم هدى "، " إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب "
" حتى إذا أخذت الأرض زخرفتها وازينت "، " فأنبتنا به حدائق ذات بهجة " " من كل زوج بهيج "، " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق "، " اليوم أحل لكم الطيبات "، " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما تصنعون "
ومن طبيعة الملك البشري :
الملك البشري، وإن روعيت في أوضاعه هذه الأصول الأربعة، إلا أنه :
١- لا يقيم ميزان العدل بين أبناء المملكة وغيرهم : فنراه يكيل لهؤلاء بمكيال ولهؤلاء بمكيال.
و لا يرعى من العهود – في الغالب – إلا ما يعارض مصلحته أو تلزمه بمراعاته قوة خصمه.
٢- كما أنه يكاد يقصر بره وإحسانه على أبناء جلدته، ومن كانوا من جنسه ولونه.
٣- كما أنه يبني أمره على القوة المطلقة فتندفع من رغباته إلى ما يمكنها أن تصل إليه ؛ فيكون البغي والتساقط والعدوان.
٤- كما أنه تستهويه زينة الحياة الدنيا وزخارفها، فتمتد يده إليها حيثما وجدها، فتتنازعها الأيدي بالقوة والحيلة، وتذهب في أقانيها الشهوات بالناس إلى النقص والرذيلة.
مظاهر عامة للملك :
ثم إن من طبيعة الملك من حيث أنه ملك – سواء أكان بشريا أم نبويا – مظاهر الأبهة والجمال والقوة والفخامة ؛ لما جبل عليه الخلق من اعتبار المظاهر والتأثر بها، وهذا إذا كان في الحق فهو محمود مطلوب. وإذا كان للباطل والبغي والتعظيم النفسي فمذموم متروك.
مظاهر محمودة :
ومن الأول أمر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وعمه العباس – رضي اله عنه – أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل، حتى تمر عليه كتائب المسلمين ؛ وذلك لإدخال الرعب على قلبه بما يرى من النظام والقوة.
فحبسه العباس، فجعلت الكتائب تمر به، فيسأل العباس عن كل كتيبة فإذا أخبره، قال : مالي ولبني فلان ؟
حتى مر رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ؛ فقال : من هؤلاء ؟ فقال العباس : هذا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في المهاجرين والأنصار. قال أبو سفيان : ما لأحد بهؤلاء قبل و لا طاقة، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما.
قال العباس : فقلت له : إنها النبوة، فقال : فنعم إذن.
قصد أبو سفيان عظمة الملك القاهر التي كان يعرفها من الأكاسرة وأمثالهم، فنفى ذلك العباس ورده إلى النبوة، التي هي أصل تلك القوة، وذلك الملك النبوي المستند إلى الوحي الإلهي، ولم يرد نفي الملك جملة.
ومنه(١) ما كان من معاوية بالشام :
لما قدم عليه عمر وجده في أبهة من الجند والعدة، فاستنكر ذلك ؟
وقال له : أكسروية يا معاوية ؟ !فاعتذر معاوية بأنهم في ثغر تجاه العدو، وأنهم في حاجة إلى مباهاة العدو بزينة الحرب والجهاد، فسكت عمر وأقره.
فذلك المظهر من مظاهر طبيعة الملك من حيث هو ملك، وإنما أنكره عمر لما خاف فيه من تعظم واستعلاء وإعجاب ؛ فلما كان للحق والمصلحة أقره.
ومن أقوى الأدلة على أن تلك المظاهر إذا كانت للحق والمصلحة فهي محمودة مطلوبة، ما قصه الله علينا في هذه الآيات عن ملك سليمان نبي الله عليه الصلاة والسلام.
اختيار نبينا :
نعم في مسند أحمد أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – خير بين أن يكون نبيا ملكا أو يكون نبيا عبدا ؟ فاختار أن يكون نبيا عبدا. وكان ذلك تواضعا منه.
ولا ينفي هذا أنه – صلى الله عليه وآله وسلم – كما كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى، كان قائما على الحكم والتنفيذ وإدارة الشؤون العامة، وتنظيم المجتمع، مما يسمى ملكا نبويا مستندا إلى الوحي الإلهي ؛ لأن التحيز راجع إلى حالته الشخصية الكريمة، فخير بين أن يكون لشخصه من مظاهر الملك مثل ما كان لسليمان، أو لا تكون له تلك المظاهر، فاختار ألا تكون، وأن يكون مظهره مظهرا عاديا مثل مظهر العبد العادي.
كما أن سليمان -– صلى الله عليه وآله وسلم – الذي كان ملكا نبيا لم ينف عنه العبودية، وإنما ينفي عنه مظهرها العادي.
فهما حالتان للقائمين على الملك جائزتان، كان على إحداهما سليمان، وعلى الأخرى محمد عليهما الصلاة والسلام. وحالة أفضل النبيين أفضل الحالتين. وقد اختار عمر رضي الله عنه الفضلى، وأقر معاوية على الفاضلة الأخرى.
ولما كان محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – جاء بملك النبوة، كان القرآن العظيم جامعا للأصول التي ينبني عليها ذلك الملك، وجاء فيه مثل هذه الآيات التي نكتب عليها، ليبين صورة ملك النبوة ومظهرا صادقا من مظاهره فيما قصت علينا من ملك سليمان عليه السلام. وهي ثلاثون آية، من الآية الخامسة عشرة من سورة النمل، إلى الآية الرابعة والأربعون منها :
الآية الأولى :
" ولقد آتينا داوود وسليمان علما، وقالا : الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ".
الألفاظ والتراكيب :
( علما ) : نوعا عظيما ممتازا من العلم جمعا به بين الملك والنبوة ؛ وقاما بأمر الحكم والهداية.
( وقالا ) : قولها متسبب وناشئ عن العلم، لكنه لو قيل : فقالا بالفاء، لما أفاد أن غير القول تسبب منهما عن العلم. ولما عطف بالواو دل على أن هنالك أعمالا كثيرة عظيمة كانت منهما في طاعة الله وشكره، نشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا.
( فضلنا ) : أعطانا ما فقنا به غيرنا.
( على كثير ) : فهنالك كثير لم يفضلا عليه ممن ساواهما أو فاقهما.
( من عباده المؤمنين ) ففضلا بين أهل الفضل، فكانا من أفضل الفاضلين، وذلك بما أعطيا من النبوة وملكها.
المعنى :
يخبرنا الله – تعالى – عما أعطى لهذين النبيين الكريمين من هذا الخير العظيم، عما كان منهما من الشكر له، والمعرفة بعظيم قدر عطائه، وإظهار السرور به، مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه، ومن إعلانهما ما كان لله عليهما، من نعمة التفضيل العظيمة بحمده والثناء عليه.
تنويه وتأصيل :
قد ابتدأ الحديث عن الملك العظيم بذكر ( العلم )، وقدمت النعمة به على سائر النعم.
تنويها بشأن العلم، وتنبيها على أنه هو الأصل الذي تبنى عليه سعادة الدنيا والأخرى.
وأنه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا.
وأن الممالك إنما تنبني عليه وتشاد، وأن الملك إنما ينظم به ويساس.
وان كل ما لم يبن عليه فهو على شفا جرف هار.

١ من مظاهر الأبهة والقوة والفخامة..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير