ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ

وقال مقاتل: ظُلْمًا وَعُلُوًّا شركًا وتكبرًا (١). وهذا يدل على أن اليقين بالقلب مع الجحود والإنكار باللسان لا ينفع ولا يكون إيمانًا.
فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ في الأرض بالمعاصي (٢).
١٥ - قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا قال ابن ىاس ومقاتل: علمًا بالقضاء، وبكلام الطير والدواب (٣) وتسبيح الجبال (٤).
وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا أي: بالنبوة والكتاب، وإلانة الحديد، وتسخير الشياطين والجن، والإنس (٥)، والمُلْك الذي أعطاهما الله وفضلهما به (٦) عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (٧).
١٦ - وقوله: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ قال ابن عباس: ورث منه النبوة.
وقال السدي: ورث نبوته.
وقال مقاتل: ورث سليمان علم داود وملكه (٨).

(١) "تفسير مقاتل" ٥٧ أ.
(٢) "تفسير مقاتل" ٧٥ أ.
(٣) "تفسير مقاتل" ٥٧ ب. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٩١، ولم ينسبه. وفي "تنوير المقباس" ٣١٦: فهمًا بالنبوة والقضاء.
(٤) "تفسير الوسيط" ٣/ ٣٧٠، عن ابن عباس.
(٥) "تفسير الوسيط" ٣/ ٣٧٠، ولم ينسبه. وتفسير الطبرسى ٧/ ٣٣٤. وتفسير ابن الجوزي ٦/ ١٥٩.
(٦) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٩١.
(٧) قال الشوكاني ٤/ ١٢٥: وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا، على كثير من العباد، ومنح شرفًا جليلًا.
(٨) "تفسير مقاتل" ٥٧ ب. وهو قول ابن جرير ١٩/ ١٤١.

صفحة رقم 180

وقال قتادة: كان لداود تسعة عشر ذكرًا فورث سليمان مُلْكه من بينهم ونبوته (١). فمعنى تخصيص سليمان بالوراثة هو هذا (٢).
وذكر الفراء والزجاج معنى قول قتادة (٣).

(١) "تنوير المقباس" ٣١٦. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٤، عن قتادة، دون ذكر العدد. وذكره الزجاج ٤/ ١١١، ولم ينسبه. وكذا الثعلبي، ٨/ ١٢٢ أ. وذكره الماوردي ٤/ ١٩٨، والقرطبي ١٣/ ١٦٤، عن الكلبي.
(٢) قال الماوردي ٤/ ١٩٨: وإنما خص سليمان بوراثته؛ لأنها وراثة نبوة وملك، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء. والرافضة يخالفون هذا فيجعلون الوراثة هنا وراثة مال أيضًا، قال الطوسي: قال أصحابنا: إنه ورث المال، والعلم، وقال مخالفونا: إنه ورث العلم، لقوله -صلى الله عليه وسلم -: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث). ثم أجاب عن الحديث بقوله: والخبر المروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم - خبر واحد لا يجوز أن يخص به عموم القرآن، ولا نسخه به."التبيان في تفسير القرآن" ٨/ ٨٢. قال ابن القيم: فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصًا به، وأيضًا فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا، فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان وورثه ابنه. ومن المعلوم أن كل أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة، وأيضًا فإن ما قبل الآية وما بعدها يبين أن المراد بهذه الوراثة ورائة العلم والنبوة، لا وراثة المال، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصه الله به من كرامته، وميراثه، وما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وكذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام: وإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: ٥، ٦] فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله، فيسأل الله العظيم ولدًا يمنعهم ميراثه، ويكون أحق به منهم، وقد نزه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله، فبعداً لمن حرف كلامه، ونسب الأنبياء إلى ما هم برآء منزهون عنه. "مفتاح دار السعادة" ٦٧.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٨٨. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١١١.

صفحة رقم 181

قوله: (وَقَال) أي: قال سليمان لبني إسرائيل (١) عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ (٢) وهذا كالتحدث من سليمان بما أنعم الله به عليه.
قال الليث: كلام كل شيء منطقه، وتلا الآية (٣).
وقال الأصمعي: صوت كل شيء منطقه، ونُطقُه، ومنه قولهم: مالَه صامت ولا ناطق؛ الناطق: الحيوان من الرقيق وغيره سمي ناطقًا لصوته (٤).
قال الفراء: منطق الطير، يعني: كلام الطير، فجعله كمنطق الرجل إذ فُهِم، وأنشد لحميد بن ثور:

عجبتُ لها أنى يكون غِناؤها فصيحًا ولم تفغرْ بمنطقها فما
فجعله كالكلام لَمَّا ذهب به إلى أنها تغني (٥).
(١) "تفسير مقاتل" ٥٧ ب. أخرج ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٥، عن الأوزاعي: الناس عندنا: أهل العلم.
(٢) وقد استدل قتادة بهذه الآية على أن النملة من الطير. أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٩، وعنه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٥٥. وهذا ليس بلازم، قال ابن العربي فجعل الله لسليمان معجزة فهم كلام الطير، والبهائم، والحشرات، وإنما خص الطير لأجل سوق قصة الهدهد بعدها، ألا تراه كيف ذكر قصة النمل معها، وليست من الطير. أحكام القرآن ٣/ ٤٧٢. وزاده بيانًا في ٤٧٥. قال الشوكاني ٤/ ١٢٥ إنه عُلم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندًا من جنده يسير معه لتظليله من الشمس.
(٣) "العين" ٥/ ١٠٤ (نطق)، وليس فيه ذكر الآية، وإنما ذكرها الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٦/ ٢٧٥.
(٤) "تهذيب اللغة" ١٦/ ٢٧٩ (نطق). وفيه الصامت: الذهب والفضة والجوهر.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٨٨، وفيه: تبكي، بدل: تغني. ولم ينسب البيت. وفيه: بليغًا، بدل: رفيعا. وتفتح، بدل تفغر. وأنشده الطوسي، "التبيان في تفسير القرآن" ٨/ ٨٥. وأنشده في "الوسيط" ٣/ ٣٧٢، وكذا في "وضح البرهان" ٢/ ١٣٩، منسوبًا، وذكره ابن الجوزي ٦/ ١٦٠، ولم ينسبه. وهو في "ديوان حميد بن ثور" ٤٢.

صفحة رقم 182

وقال أبو علي الفارسي: القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر، ويعبر بكل واحد منها عما عبر بالآخر، قال رؤبة:

لو أنني أعطيت علم الحُكْل علمَ سليمانَ كلامَ النملِ (١)
وقال الله تعالى: قَالَتْ نَمْلَةٌ [النمل: ١٨] وقال إخبارًا عن الهدهد: فَقَالَ أَحَطْتُ [النمل: ٢٢] فذَكَر له القول. وأنشد الأخفش:
صدَّها منطقُ الدجاجِ عن القصدِ وصوت الناقوس بالأسحار (٢)
وأنشد أيضًا:
فَصبَّحتْ والطيرُ لم تكلَّم
فوضع كل واحد من الكلام والنطق موضع الصوت.
وقال الراعي يصف ثورًا يحفر كِناسًا (٣) إلى الصباح:
(١) "تهذيب اللغة" ٤/ ١٠٠ (حكل)، ونسبه لرؤبة، وهو في ديوانه ١٣٣، وأنشده ابن فارس، ولم ينسبه، وفيه: أوتيت. وقال: الحاء والكاف واللام أصل صحيح منقاس، وهو الشيء الذي لا يبين، يقال: إن الحُكل الشيء الذي لا نطق له من الحيوان، كالنمل وغيره. "معجم مقاييس اللغة" ٢/ ٩١. وأنشده ابن جني، ولم ينسبه، "الخصائص" ١/ ٢٢. وذكر الواحدي كلمة الحكل في مقدمة تفسيره فقال: ويعلم قول الحُكل. تفسير الواحدي ١/ ٢٠١، تحقيق الفوزان.
(٢) أنشده الأخفش ٢/ ٥٨٨، كاملًا في سورة: يوسف، وعجزه:
وضرب الناقوس فاجتُنبا
وأنشده ٢/ ٦٤٨، في سورة النمل مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه في الموضعين، وفي الحاشية: لم تفد المراجع شيئًا في القائل والقول.
(٣) المَكْنِس: مَوْلِجُ الوحش من البقر تسكن فيه من الحر، وهو الكِناس، والجمع: أكنسة، وكُنُس، واشتقاقه من الكَنْس، وهو: كَسْحُ القُمَام عن وجه الأرض، فهي تكْنِس الرمل حتى تصل إلى الثرى. "تهذيب اللغة" ١٠/ ٦٣ (كنس)، و"لسان العرب" ٦/ ١٩٧.

صفحة رقم 183

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية