ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

الآية الرابعة :
" حتى إذا توا على وادي النمل قالت نملة : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده و هم لا يشعرون ".
الألفاظ :
( أتوا على وادي النمل ( : هبطوا إليه من مكان أعلى منه، وهو بالشام أو بالحجاز، لم تتوقف العبرة على تعيينه فلم يعين، وأضيف لنمل لكثرته فيه.
( نملة ) لفظها مؤنث، ومعنا محتمل مثل شاة وحمامة.
( مساكنكم ) : هي قرى النمل التي يسكنها تحت وجه الأرض، المحكمة الوضع والتركيب والتقسيم. ولذلك قيل فيها : مساكن : ولم يقل غيران.
( لا يحطمنكم ) : لا يكسرنكم بالحوافر والأقدام
( لا يشعرون ) : لا يحسون بوجودكم.
التراكيب :
الإتيان ( بإذا ) وجوابها، لإفادة أن قولها كان بسبب إتيانهم عند أول ما أتو.
( لا يحطمنك ) : نهتهم عن أن يحطمهم، والحطم ليس من فعلهم حتى ينهوا عنه، وإنما المعنى لا تكونوا خارج مساكنكم فيحطمكم، فنهتهم عن السبب، والمراد النهي عن السبب، لما في ذلك من الإيجاز المناسب لسرعة الإنذار لسرعة النجاة، ولما في ذكر المسبب، وهو الحطم من التخويف الحامل على الإسراع إلى الدخول١.
والجملة مؤكدة للأولى فكأنها قالت : ادخلوا مساكنكم لا تبقوا خارجها.
ونظير التركيب في التعبير بالسبب عن المسبب، لا أرينك ههنا : أي لا تكن هنا فأراك.
المعنى :
سار سليمان – صلى الله عليه وسلم – في تلك الجنود العظيمة يحيط به الإنس والجن : وتظللهم الطير، حتى هبطوا على وادي النمل، فرأتهم كبيرة النمل وقائدته، فصاحت في بني جنسها، فنادتهم للتنبيه، وأرشدتهم إلى طريق النجاة : بأمرهم الدخول في مساكنهم، وحذرتهم من الهلاك بحطم سليمان وجنوده لهم عن شعور منهم، فلا يكون اللوم عليهم، وإنما على النمل إذا لم يسرع بالدخول.
عبرة وتعليم :
دروس من النملة :
عاطفة الجنسية غريزة طبيعية :
فهذه النملة لم تهتم بنفسها فتنجو بمفردها.
و لم ينسها هول ما رأت من عظمة ذلك الجند إنذار بني جنسها ؛ إذ كانت تدرك بفطرتها أن لا حياة لها بدونهم، ولا نجاة لها إذا لم تنج معهم، فأنذرتهم في أشد ساعات الخطر أبلغ الإنذار.
ولم ينسها الخوف على نفسها وعلى بني جسها من الخطر الداهم، أن تذكر عذر سليمان وجنده.
فهذا يعلمنا أن لا حياة للشخص إلا بحياة قومه، و لا نجاة لهم إلا بنجاتهم، وأن لا خير لهم إلا إذا شعر بأنه جزء منهم.
ومظهر هذا الشعور أن يحرص على خيرهم كما يحرص على نفسه، وألا يكون اهتمامه بها دون اهتمامه بهم :
واجب القائد والزعيم :
هذه النملة هي كبيرة النمل، فقد كان عندها من قوة الإحساس ما أدركت به الخطر قبل غيرها، فبادرت بالإنذار.
فلا يصلح لقيادة الأمة وزعامتها إلا من كان عنده من بعد النظر، وصدق الحدس، وصائب الفراسة، وقوة الإدراك للأمور قبل وقوعها – ما يمتاز به عن غيره، ويكون سريع الإنذار بما يحس وما يتوقع.
عظة بالغة :
ألا ليت لنا نملة :
هذه نملة وفت لقومها، وأدت نحوهم واجبها ! !
فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو قومه ؟ !
هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه، و لا يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهما لقومه، فيسكت ويتعامى، ولمن يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم.
آه ما أحوجنا – معشر المسلمين – إلى أمثال هذه النملة !

١ وذلك من ضروب الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير