وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة سليمان وما صاحب ملكه من الوقائع التي برزت في زمانه وبهر الإنسان، مبينا كيف سخر الله تعالى لسليمان، من الوسائل المعتادة، وغيرها من الوسائل الخارقة للعادة، ما لم يسخره لأحد من قبله، عسى أن يؤمن بنو إسرائيل ـ على ما هم عليه من شك وعناد ـ برسالته، ويجمعوا كلمتهم بعد الفرقة والشتات ـ على طاعته، وكيف آتاه الله ملكا فردا من نوعه لم يوت مثله لأحد من بعده، عسى ان يعترف بنو إسرائيل بنعمة الله عليهم، ولا ينقضوا الميثاق الذي واثقهم عليه منذ أرسل موسى الكليم إليهم، لكنهم بالرغم من ذلك فضلوا الفرقة على الوحدة، والانحراف على الاستقامة، ولم يمض زمن قصير بعد موت سليمان حتى أخذوا يعضون بنان الندامة، فتفرق جمعهم، وتشتت شملهم، وانهار ملكهم، وأصبح ملك سليمان العتيد وهيكله الجديد في خبر كان، وأصبح بنو إسرائيل أوزاعا وأشتاتا في كل مكان، وكانت جلوتهم الكبرى بعد جلوتهم الصغرى، مصداقا لقوله تعالى في سورة إبراهيم وهو يخاطب بني إسرائيل : وإذ تأذن ربكم لئن شكرتكم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [ الآية : ٧ ].
وليعتبر المؤمنون والكافرون بما تعرض له بنو إسرائيل بعد انهيار ملك سليمان من النكبات والنقم، عرض كتاب الله في الآيات التالية ما أنعم به عليهم في عهد ملكه القصير من جليل النعم، حتى يقارن الجميع بين حالتي السخط والرضا، ويستخرجوا العبرة مما مضى " فبضدها تتميز الأشياء " :
وقوله تعالى : حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون* فتبسم ضاحكا من قولها إشارة إلى أن سليمان عليه السلام، كما علمه الله منطق الطير علمه منطق النمل، ولذلك فهم مقالة النملة التي تقود قافلتهم، وتبسم ضاحكا من قولها المهذب، وإنما تبسم من قولها لأنها برأت ساحته وساحة جنوده من الاتهام بالقصد إلى التحطيم والعدوان، وحملتهم منذ البداية حمل العدل والحنان والإحسان، عندما قالت : لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
قال الإمام القشيري تعليقا على قوله تعالى هنا : قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان : " فيه دليل على وجوب سياسة الكبار لمن هو في رعيتهم، وعلى حسن الاحتراز مما يخشى وقوعه، وأن ذلك مما تقتضيه عادة النفس ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري