إذن : لا بد من الذهاب إلى مملكة سبأ وفك العرش، وحمله إلى مملكة سليمان، ثم إعادة تركيبه عنده، وهذه مهمة بالطبع فوق قدرة البشر ؛ لذلك لم يتكلم منهم أحد، حتى الجن العادي لم يعرض على سليمان استعداده بهذه المهمة : قال عفريت (١) من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك(٢) وإني عليه لقوي أمين٣٩ :
والجن في القدرة والمهارة مثل الإنس، منهم القوي الماهر، ومنهم العيي الذي لا يجيد شيئا. نقول( لبخة ) وكلمة عفريت من تعفير التراب، وكانوا حينما يتسابقون في العدو بالخيل وغيرها، فمن يسبق منهم يثير الغبار في وجه الآخر فيعطله عن السبق. فقالوا : عفريت يعني عفر من وراءه. أو : المعنى أنه يعفر وجه من عارضه بالتراب فسمى عفريتا.
إذن : فالعفريت هو الخبيث الماكر من الجن، وصاحب القوة الخارقة فيهم، وهو الذي تعرض لهذه المهمة، وقال أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك... ٣٩ ( النمل ).
وهذا كلام مجمل ؛ لأن مقام سليمان بين رعيته للحكم أو للمدارسة سوف يستغرق وقتا : ساعة أو ساعتين مثلا، وقد تعهد العفريت أن يأتي بالعرش في هذا الوقت يعني : لن يؤخره إلى جلسة أخرى.
وقوله : وإني عليك لقوي أمين ٣٩ ( النمل ) يدل على أن هذا العفريت يعلم فخامة هذا العرش وضخامته، وأنه شيء نفيس يستحق الاعتناء به، خاصة في عملية نقله ؛ لذلك قال من ناحية كبره وضخامته " فأنا عليه قوي " قادر على حمله، ومن ناحية نفاسته وفخامته، فأنا عليه أمين لن أبدد منه شيئا.
٢ قال السدي وغيره: كان سليمان يجلس للقضاء والحكومات وللطعام من أول النهار إلى أن تزول الشمس.(تفسير ابن كثير ٣/٣٦٣)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي