ولما نزه نفسه، - وهو المنزه من كل سوء وعيب - تعرف إلى موسى بصفاته في١ قوله : يا موسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم . في اسم «إنَّ » وجهان : أظهرهما أنَّه ضمير الشأن ( «وَأَنَّا اللَّهُ » مبتدأ )٢ وخبره، و٣ «العزيز الحَكِيمُ » صفتان لله.
والثاني : أنه ضمير راجع إلى ما دلَّ عليه ما قبله، يعني : إن مكلِّمك أنا، و «الله » بيان ل «أَنَا »، و «العَزِيزُ الحَكِيمُ » : صفتان للبيان قاله الزمخشري٤. قال أبو حيان، وإذا حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فلا يجوز أن يعود الضمير على ذلك المحذوف : إذ٥ قد غيِّر الفعل عن بنائه له٦ وعزم على أن لا يكون محدِّثاً عنه، فعود الضمير إليه ممَّا ينافي ذلك ؛ إذ يصير٧ معتنًى به٨. قال شهاب الدين : وفيه نظر، لأنه قد يلتفت إليه، وقد تقدم ذلك في البقرة عند قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ، ثم قال :«وَأَدَاءٌ إلَيْهِ »٩، قيل : إلا الذي عفي له١٠ وهو وليُّ الدم ما تقدم تحريره١١ ولئن سلِّم ذلك، فالزمخشري١٢ لم يقل إنه عائد على ذلك الفاعل، إنما قال : راجع إلى ما دل عليه ما قبله يعني من ( السِّياق١٣ )١٤.
وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون ضمير ربِّ : أي : إن الرب أنا الله، فيكون «أنَا » فصلاً أو توكيداً أو خبر إن، والله بدل منه١٥. وقيل : الهاء في قوله «إنَّهُ » عماد١٦، وليست كناية، فإن قيل : هذا النداء قد يجوز أن يكون من عند غير الله، فكيف علم موسى أنه من الله ؟.
فالجواب : لأهل السنة فيه طريقان : الأول : أنه سمع الكلام المنزه عن مشابهة كلام المخلوقين، فعلم بالضرورة أنه صفة الله.
الثاني : قول أئمة ما وراء النهر١٧، وهو أنه - عليه السلام١٨ - سمع الصوت من الشجرة، فنقول : إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور :
أحدها : أن النداء إذا حصل في النار أو الشجرة، علم أنه من قبل الله تعالى : لأن أحداً منا لا يقدر عليه، وهذا ضعيف، لاحتمال أن الشيطان دخل في النار والشجرة، ثم نادى.
والثاني : يجوز في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغاً لا يكون إلا معجزاً، وهو أيضاً ضعيف، لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين، فلا قدر إلا ويجوز صدوره منهم.
وثالثها : أنه قد يقترن به معجز دل على ذلك، وقيل : إن النار كانت مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق، فصار ذلك كالمعجزة١٩ وهذا أيضاً في غاية الضعف والبعد، لأنه كيف تنادي النار أو٢٠ الشجرة، وتقول : يا موسى إني أنا ربك، أو٢١ إني أنا الله رب العالمين ! !.
٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣ و: سقط من ب..
٤ انظر الكشاف ٣/١٣٤..
٥ في ب: و..
٦ له: تكملة من البحر المحيط..
٧ في البحر المحيط: مقصوداً..
٨ البحر المحيط ٧/٥٦..
٩ من قوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء بإحسان[البقرة: ١٧٨]..
١٠ له: تكملة ليست في المخطوط..
١١ انظر اللباب ١/٣٥٢. ووجه التنظير بالآية ظاهر..
١٢ في ب: قال الزمخشري. وهو تحريف..
١٣ الدر المصون ٥/١٧٨..
١٤ ما بين القوسين في ب: السياق وذلك..
١٥ التبيان: ٢/١٠٠٥..
١٦ قال الفراء: (وقوله: "إنه أنا الله" هذه الهاء هاء عماد، وهو اسم لا يظهر) المعاني ٢/٢٨٧..
١٧ في ب: ما ورد النهي. وهو تحريف..
١٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٩ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٢-١٨٣. وفيه: وهذا هو الأصح والله أعلم..
٢٠ في ب : و..
٢١ في ب : و..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود