آنست ناراً، فامكثوا سآتيكم من النار بخبر، أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون بها من البرد.
قال ابن عباس: كانوا شاتين، قد أخطأوا الطريق. وأصل الطاء: ثاء، لأنه من صلى النار فهو يفتعلون، فأبدل من التاء طاء لتكون في الإطباق كالصاد، وأصله: يصتليون، ثم أعلى على الأصول، وأبدلت التاء طاء، كما قالوا: مصطفى، وأصله: مصتفى: لأنه مفتعل من الصفوة.
قوله تعالى ذكره: فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار، إلى قوله: فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ،
معناه: فلما جاء موسى النار نودي أن بورك: أي بأنه بورك، ويجوز أن يكون (أن) في موضع رفع بنودي ولا يقدر جاراً، ومعنى بورك: قدس أي طهر من في النار، قاله ابن عباس.
وعن ابن عباس أنه قال: كان نور رب العالمين في الشجرة.
وقال ابن جبير: ناداه وهو في النور.
وقال الحسن: هو النور.
وقال قتادة: نور الله بورك.
وقيل: من في النار: الملائكة، الموكلون بها، ومن حولها الملائكة أيضاً يقولون: سبحان الله رب العالمين.
وعن مجاهد معناه: بوركت النار. حكاه عن ابن عباس.
قال محمد بن كعب: النار: نور الرحمن، والنور هو الله سبحان الله رب العالمين.
وقال ابن جبير: النار: حجاب من الحجب وهي التي نودي منها وذكر الحجب: فقال: حجاب العزة، وحجاب الملك، وحجاب السلطان، وحجاب النار،
وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء.
قال عبد الرحمن بن الحويرث: مكث موسى عليه السلام، أربعين ليلة لا يراه أحد، إلا مات من نور رب العالمين. يعني إذ تجلى إلى الجبل.
قال الطبري: إنما قال: بورك من في النار، ولم يقل: بورك على من في النار، على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب تقول: باركك الله، وبارك عليك، حكى ذلك الكسائي عن العرب.
وقوله: وَمَنْ حَوْلَهَا، يعني من حول النار من الملائكة. قاله الحسن وغيره.
وقال محمد بن كعب القرطبي: وَمَنْ حَوْلَهَا، يعني موسى والملائكة.
ثم قال تعالى: وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين، أي تنزيهاً لله مما يصفه به الظالمون.
ثم قال تعالى: ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم، أي إنّ الآمر أنا الله، العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبير أمر خلقه.
ثم قال: وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ، أخبر عن العصا ها هنا أنها انقلبت كالجان، والجان: صغير الحيات، وأخبر عنها في موضع آخر أنها انقلبت ثعباناً مبيناً، والثعبان: كبير الحيات. ومعنى ذلك أن عصا موسى انقلبت له على ثلاث حالات، آيات من الله، انقلبت حية تسعى وهي الأنثى، وجان وهو الصغير من الحيات، وثعبان مبين: وهو الذكر الكبير من الحيات.
وقيل: إنها انقلبت ثعبان تهتز كأنها جان ولها عظم الثعبان وخفة الجان واهتزازه، وهي حية تسعى. والعرب تقول: هذه حية، وهذا حية.
وقيل: إن الله أقلب له العصا في أول مرة جاناً، وهو الحية الصغيرة لئلا يخاف ويجزع، فلما أنس بها وأخذها وأرسلها. أرسله إلى فرعون، فألقاها في الحال الأخرى بين يدي فرعون فصارت ثعباناً مبيناً، والله أعلم، وفي لفظ الآية
اختصار وحذف، والتقدير: فألق عصاك، فألقاها: فصارت حية تهتز، فلما رآها تهتز كأنها جان أي حية، والجان جنس من الحيات معروف.
وقوله: ولى مُدْبِراً، أي هارباً خوفاً منها، وَلَمْ يُعَقِّبْ، أي ولم يرجع. يقال: عقب فلان: إذا رجع على عقبيه إلى حيث بدأ.
قال قتادة: ولم يعقب: لم يلتفت.
قال ابن زيد: لما ألقى موسى ﷺ العصا صارت حية، فرعب منها وجزع، فقال الله تعالى: إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون، فلم يركن لذلك فقال الله: أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين [القصص: ٣١]، قال: فلم يقف أيضاً على شيء من هذا حتى قال الله جل ذكره: سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى [طه: ٢١]، قال: فالتفت موسى، فإذا هي عصا كما كانت / فرجع فأخذها، ثم قوي بعد ذلك عليها حتى صار
يرسلها على فرعون ويأخذها.
وقوله جل ثناؤه: لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون، أي عندي. ثم قال: إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء، أي من ظلم فعمل بغير ما أذن له في العمل به.
قال ابن جريج: لا يخاف الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه الله حتى يأخذه منه.
وقال الحسن: في الآية إنما أخيف لقتله النفس، وقال الحسن أيضاً: كانت الأنبياء تذنب، فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب.
وقوله: إِلاَّ مَن ظَلَمَ، استثناء منقطع عند البصريين، لأن حق الاستثناء أن يكون ما بعده مخالفاً لما قبله في المعنى.
وقوله: إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون، يدل على أمنهم. وقوله: إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ، يدل على أمن من ظلم، ثم فعل ذلك فقد حصل المعنى فيهما واحد، فوجب أن يكون ليس من الأول و " إلا " بمعنى لكن، والتقدير،
لكن من ظلم من المرسلين وغيرهم ثم تاب فليس يخاف ومثله من كلام العرب ما اشتكى إلا خيراً، فالخير لا يشتكى.
وقوله: ما اشتكى يدل على أنه حل به الخبر. وقوله: إلا خيراً قد صار مثل الأول في المعنى، فوجب أن يكون منقطعاً، و " إلا " بمعنى لكن خيراً، وكأنه قال: ما أذكر إلا خيراً.
وقال الفراء: الاستثناء من محذوف، والتقدير عنده: إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون، إنما يخاف غيرهم، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا يخاف، وأجاز الفراء أيضاً أن تكون " إلا " بمعنى الواو، ومثله عنده لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ [البقرة: ١٥٠] أي والذين، وقد رد عليه القولان، لأن الاستثناء من محذوف لا يجوز، إذ لا يعلم ما هو، ولو جاز هذا، لجاز: إني لأضرب القوم إلا زياً. على معنى وأضرب غيرهم إلا زيداً. وهذا ضد البيان، ونقض الكلام، ولا يجوز كون " إلا " بمعنى الواو.
لأنه تقلب
المعاني، فيلزم إذا قلت له: عندي عشرة إلا أربعة أن تكون قد أقررت بأربعة عشر وهذا محال.
وقوله: ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء، يريد التوبة. وقرأ: مجاهد ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً، بالفتح على معنى عملاً محسناً. فَإِنِّي غَفُورٌ، أي ساتر لذنوبه. رَّحِيمٌ، به إن عاقبته.
وقوله: وَمَنْ حَوْلَهَا وقف إن جعلت وَسُبْحَانَ الله لم ينادي به موسى، وإنما هو من قوله: لما خاف. فإن جعلت وَسُبْحَانَ الله من النداء، كان الوقف " رَبِّ العالمين وَأَلْقِ عَصَاكَ وقف وَلَمْ يُعَقِّبْ وقف و لاَ تَخَفْ وقف. المرسلون وقف، إن جعلت إِلاَّ مَن ظَلَمَ منقطعاً، فإن جعلته مستثنى على معنى: إن المرسلين لا يخافون إلا أن يذنبوا
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي