ومن أمثلة قصة موسى عندما ترد بشكل مختزل في آية أو آيتين قوله تعالى فيما سبق من سورة إبراهيم : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم [ ٦ ]، وقوله تعالى فيما سبق من سورة الفرقان : ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا، فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا [ ٣٥، ٣٦ ]، وقوله تعالى فيما سيأتي من سورة الذاريات : وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين * فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم [ ٣٨، ٤٠ ].
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن إعادة كتاب الله لقصة من القصص في عدة سور لا يعني أن فيه شيئا من التكرار، فبلاغة القرآن التي ميزه الله بها تعصمه من ذلك، وإنما تنصب الحكاية الجديدة للقصة على عناصر معينة منها، حيث يكون السياق يقتضي إبراز هذا العنصر بدلا من ذلك العنصر الذي سبق في مقام آخر، أو تفصيل هذا العنصر مع إجمال ذلك العنصر الذي سبق في مقام آخر، أو تفصيل هذا العنصر مع إجمال ذلك العنصر الذي سبق في مناسبة أخرى، وكتاب الله بوصفه كتاب هداية وتوجيه لا بد أن يلائم مقتضى الحال في كل الأحوال، يضاف إلى ذلك أن القصة عندما يتجدد ذكرها في سورة من السور لا محالة أنها تأتي بزوائد وفوائد، وفي ذلك زيادة في البيان، وإقامة للحجة والبرهان، على درجة الإعجاز التي ارتفعت إليها بلاغة القرآن.
وعلى ضوء هذا التنبيه نراجع الآيات التي تصدرت قصة موسى في هذه السورة، ونقارنها بما ورد في بعض السور الأخرى، ففي سورة القصص التي نحن بصدد تفسيرها نجد في الطليعة وصف المرحلة الأولى من حياة موسى عليه السلام منذ طفولته إلى أن بلغ أشده، من الآية السادسة إلى الآية الثانية عشرة، ونجد وصف الحادثة التي اشتبك فيها موسى مع عدو لقومه نصرة لرجل من شيعته، فأدت إلى مقتل ذلك العدو، واضطرار موسى إلى التوجه نحو مدين، من الآية الثالثة عشرة إلى الآية العشرين، ونجد وصف خطوبته وزواجه بابنة ( صالح مدين وشيخها الكبير )، وما سبق ذلك من مقدمات، وما انتهى إليه من نتائج، من الآية الواحدة والعشرين إلى الآية التاسعة والعشرين، كل ذلك بغاية التوضيح والتفصيل، مما لم يتقدم نظيره في السور الأخرى، وإذا راجعنا قصة موسى الواردة في سورة الأعراف لا نجد فيها أي أثر لهذه الأحداث وهذه المراحل، وإنما نجد في سورة طه إشارة خفيفة إليها في سبع آيات لا غير، ونجد في سورة الشعراء إشارة خاطفة إليها في خمس آيات لا غير، ففي سورة طه سبق قول الله تعالى : قال قد أوتيت سؤلك يا موسى * ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني*ولتصنع على عيني * إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى *واصطنعتك لنفسي [ ٤١، ٣٦ ]، وفي سورة الشعراء سبق قوله تعالى على لسان فرعون : قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين * قال فعلتها إذا وأنا من الضالين * ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين *وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل [ ٢٢، ١٨ ].
وبعد هذه التنبيهات والمقارنات لم يبق لنا إلا التوجه إلى تفسير الجزء الوارد من نفس القصة في هذه الحصة.
قال تعالى : تلك آيات الكتاب المبين * نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون :
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري