ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها
وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون٦٠ }
معنى : من شيء.. ٦٠ [ القصص ]من أي شيء من مقومات الحياة، ومن كمالياتها فمتاع الحياة الدنيا وزينتها... ٦٠ [ القصص ] فمهما بلغ من السمو، فإنه متاع عمره قليل، كما قال سبحانه : قل متاع الدنيا قليل٧٧ [ النساء ]
لذلك طلبنا منكم ألا تنشغلوا بهذا المتاع، وألا تجعلوه غاية، لأن بقاءك فيها مظنون، ومتاعك فيها على قدرة نشاطك وحركتك.
وسبق أن قلنا : إن آفة النعيم في الدنيا أنه إما أن يتركك أو تتركه، وأن عمرك في الدنيا ليس هو عمر الدنيا، إنما مدة بقائك أنت فيها، ومهما بلغت من الدنيا فلا بد من الموت.
لذلك يدلنا ربنا – عز وجل – على حياة أخرى باقية متيقنة لا يفارق نعيمها ولا تفارقه.
وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون٦٠ [ القصص ]
خير.. ٦٠ [ القصص ] لأن النعيم فيها ليس على قدرة نشاطك، إنما على قدرة الله وعطائه وكرمه، وأبقى.. ٦٠ [ القصص ] لأنه دائم لا ينقطع. فلو قارن العاقل بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة لاختار الآخرة.
لذلك، فإن الصحابي الذي حدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهيد، وتيقن أنه ليس بينه وبين الجنة إلا ان يقتل في سبيل الله، وكان في يده تمرات يأكلها فألقاها١، ورأى مدة شعله بمضغها طويلة ؛ لأنها تحول بينه وبين هذه الغاية، ألقاها وأسرع إلى الجهاد لينال الشهادة. لماذا ؟ لأنه أجرى مقارنة بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة.
والحق – سبحانه وتعالى – حين يجري هذه المقارنة بين الكفار وبين المؤمنين يقول : قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين.. ٥٢ [ التوبة ] إما أن ننتصر عليكم ونذلكم، ونأخذ خيراتكم، وإما ننال الشهادة فنذهب إلى خير مما تركنا ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا.. ٥٢ [ التوبة ]
إذن : لا تتربصون بنا إلا خيرا، ولا نتربص بكم إلا شرا.
وفي موضع آخر قال سبحانه : بل تؤثرون الحياة الدنيا١٦ والآخرة خير وأبقى ١٧ [ الأعلى ] لذلك ذيل الآية هنا بقوله تعالى : أفلا تعقلون٦٠ [ القصص ] لأن العقل لو قارن بين الدنيا والآخرة لابد أن يختار الآخرة.

١ عن جابر بن عبد الله قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٤٦)، وكذا مسلم في صحيحه (١٨٩٩) في كتاب الإمارة. قال ابن حجر في فتح الباري: "لم أقف على اسم الرجل، وزعم ابن بشكوال أنه عمير بن الحمام، وسبقه إلى ذلك الخطيب، لكن وقع التصريح في حديث أنس (عند مسلم) أن ذلك كان يوم بدر.. فالذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين والله أعلم)).
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير