الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)
الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا امنا وهم لا يُفْتَنُونَ الحسبان قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن بخلاف الشك فهو الوقوف بينمها والعلم فهو القطع على أحدهما ولا يصح تعليقهما لمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل فلو قلت حسبت زيداً وظننت الفرس لم يكن شيئاً حتى تقول حسبت زيداً عالماً وظننت الفرس جواداً لأن قولك زيد عالم والفرس جواد كلام دال على مضمون فإذا أردت الأحبار على ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين أدخلت على شطري الجملة فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك والكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان هنا أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يقتنون وذلك أن تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم آمنا هو الخبر وأما غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقول عنترة
فتركته جزر السباع يفشنه
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبا ن تقدران تقول تركهم غير مفتونين لقولهم آمناً على تقدير حاصل ومستقر قيل اللام هو استفهام توبيخ والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قد جزعوا من أذى المشركين أو في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله
صفحة رقم 664مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي
محي الدين ديب مستو