ولما قال تعالى في آخر السورة المتقدّمة وادع إلى ربك ( القصص : ٨٧ ) وكان في الدعاء إليه الحراب والضراب والطعان لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد فشق على البعض ذلك فقال تعالى : أحسب الناس أي : كافةً أن يتركوا أي : أظنوا أنهم يتركون بغير اختبار وابتلاء في وقت ما بوجه من الوجوه.
تنبيه : أن يتركوا سدّ مسدّ مفعولي حسب عند الجمهور أن أي : بأن يقولوا أي : بقولهم آمنا وهم أي : والحال أنهم لا يفتنون أي : يختبرون بما تتميز به حقية إيمانهم بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات فإنّ مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب.
واختلفوا في سبب نزول هذه الآية : فقال الشعبي : نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام ثم هاجروا فتبعهم الكفار فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إنها نزلت في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام كانوا يعذبون بمكة.
وقال ابن جريج : نزلت في عمار بن ياسر كان يعذب في الله عز وجل.
وقال مقاتل : نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر كان أوّل قتيل قتل من المسلمين يوم بدر فقال صلى الله عليه وسلم :«سيد الشهداء مهجع وهو أوّل من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة » فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل وهم لا يفتنون بالأوامر والنواهي وذلك أنّ الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان ثم فرض عليهم الصلاة والزكاة وسائر الشرائع فشق على بعض فأنزل الله تعالى هذه الآية
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني