والاستفهام في قوله : أَحَسِبَ الناس للتقريع والتوبيخ، و أَن يُتْرَكُواْ في موضع نصب بحسب، وهي وما دخلت عليه قائمة مقام المفعولين على قول سيبويه والجمهور، و أَن يَقُولُواْ في موضع نصب على تقدير : لأن يقولوا، أو بأن يقولوا، أو على أن يقولوا وقيل : هو بدل من أن يتركوا، ومعنى الآية : أن الناس لا يتركون بغير اختبار ولا ابتلاء أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ أي وهم لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم، وليس الأمر كما حسبوا، بل لابد أن يختبرهم حتى يتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، فالآية مسوقة لإنكار ذلك الحسبان واستبعاده، وبيان أنه لابد من الامتحان بأنواع التكاليف وغيرها. قال الزجاج : المعنى أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا : إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما تتبين به حقيقة إيمانهم ؟ وهو قوله : أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ . قال السدّي وقتادة ومجاهد : أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتعذيب، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح معنى ما ذكرناه، وظاهرها شمول كلّ الناس من أهل الإيمان، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ كما قررناه غير مرّة. قال ابن عطية : وهذه الآية وإن كانت نازلة في سبب خاص، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله باقية في ثغور المسلمين بالأسر، ونكاية العدوّ وغير ذلك.
وأخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن مسعود قال : أوّل من أظهر الله إسلامه سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. وسمية أم عمار، وعمار، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلاّ وقد أتاهم على ما أرادوا إلاّ بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول : أحد أحد. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : أَن يَسْبِقُونَا قال : أن يعجزونا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : قالت أمي لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بمحمد، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يشجرون فاها بالعصا، فنزلت هذه الآية وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جاهداك لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وأخرجه أيضاً الترمذي من حديثه، وقال : نزلت فيّ أربع آيات، وذكر نحو هذه القصة، وقال : حسن صحيح. وقد أخرج هذا الحديث أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضاً. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه وأبو يعلى، وابن حبان وأبو نعيم والبيهقي والضياء عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلاّ ما وارى إبط بلال». وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله قال : يرتدّ عن دين الله إذا أوذي في الله.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني