قوله تعالى : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ العامة على نصبه والحسن وسالم الأفْطَس١ برفعه وتقدم تحقيق هذا. هذه الآيات في تذكير أهل إبراهيم وتحذيرهم وهي معترضة في قصة «إبراهيم » صلوات الله عليه، ثم عاد إلى قصة «إبراهيم » فقال تعالى : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ . لما أقام إبراهيم صلوات٢ الله عليه البرهان على الأصول الثلاثة لم يجيبوه إلا بقولهم اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ فإن قيل : كيف سمى قولهم : اقتلوه جواباً مع أنه ليس بجواب ؟.
فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنه خرج مَخْرَجَ كلام٣ متكبر، كما يقول المَلِكُ لرسول خَصْمِهِ : جوابكُمُ السيفُ، مع أن السيفَ ليس بجوابِهِ وإنما معناه لا أقابل بالجواب وإنما أقابل٤ بالسيف.
وثانيهما : أن الله تعالى أراد بيان ( ضلالتهم )٥ وأنهم ذكروا ما ليس بجواب في معرض الجواب فبيّن أنهم لم يكن لهم جوابٌ أصلا، وذلك أن من لا يجيبُ غيره ويسكت لا يعلم ( أنه لا يقدر٦ أم لا ) لجواز٧ أن يكون سكوته لعدم الالتفات، وأما إذا أجاب بجوابٍ فاسد علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه.
فصل٨ :
«أو » تذكر لأمرين الثاني منهما لا ينفك عن الأول، كما يقال :«زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ »، ويقال : هذا إنسان أو حيوان، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان، ولا يصح أن يقال :«هذا حيوان أو إنسان » إذ يفهم منه أن يقول : هذا حيوان، فإن لم يكن حيواناً فهو إنسان، وهذا فاسد، وإذا كان كذلك فالتحريق مشتمل٩ على القتل، فقوله :«اقتلوه أو حرقوه » كقولك : هذا إنسان أو حيوان.
فالجواب عن١٠ هذا من وَجْهَيْنِ :
أحَدهمَا : أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع كقولك : أعطه ديناراً أو دينَارَيْنِ.
قال تعالى : قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [ المزمل : ٢ - ٤ ] فكذا١١ هاهنا قال : اقتلوه أو زيدوا على القتل لأن التحريق قتلٌ وزيادة.
الثاني : سلمنا ما ذكرتم، والأمر هنا كذلك لأن التحريق فعل مفض١٢ إلى القتل، وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقي في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حياً يصح١٣ أن يقال : احترق فلانٌ، وأحرق وما مات.
فكذلك هاهنا قال : اقتلوه ولا تعجلوا قتله وعَذَّبُوه بالنار، فإن ترك مقالته فخلوا سبيله وإن أصرَّ فاتركوه في النار.
قوله تعالى : فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار ، قيل : بردت النار وقيل : خلق في إبراهيم صلوات الله ( وسلامه )١٤ عليه كيفية اسْتَبْرَدَتِ النارَ. وقيل : ترك إبراهيم ( على )١٥ ما كان عليه ( والنار على١٦ ما كانت عليه ) وَمنع أذى النار عنه، والْكُلّ ممكنٌ والله قادر عليه.
قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فإن قيل : ما الحكمة في قوله هناك «آية للعالمين » في إنجاء نوح صلوات الله ( وسلامه )١٧ عليه وأصحاب السفينة جعلناها آية وقال هاهنا آيات بالجمع، فما الحكمة ؟.
فالجواب : إن إنجاء السفينة شيء يتسع له١٨ العقول، فلم يكن فيه من الآية إلا إعلام الله تعالى إياه بالإنجاء وقت الحاجة بسبب أن الله تعالى صان١٩ السفينة عن المهلكات كالرياح، وأما الإنجاء من النار فعجيب فقال فيه لآيات فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا :«آيةٌ لِلْعَالَمِينَ » وقال هنا «لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » فخص الآيات بالمؤمنين ؟.
فالجواب : أن السفينة بقيت أعواماً حتى مرّ عليها الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد، وأما تبريد النار فلم يبق فلم يظهر ( لمن بعده ) إلا بطريق الإيمان والتصديق، وفيه لطيفة ( وهو )٢٠ أن الله تعالى لما بَرَّد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه و هدايته لأبناء جنسه، وقد قال الله تعالى للمؤمنين بأن لهم أسوة في إبراهيم، فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله تبارك وتعالى يبرد عنه النار يوم القيامة، فقال : إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، فإن قيل : لم قال هناك :«جَعَلْنَاها »، ( وقال هنا جَعَلْنَاهُ )٢١ ؟.
فالجواب : لأن السفينة ما صارت آية في نفسها، ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح ( سفهاً )٢٢ فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية، وأما تبريد النار فهو في نفسه ( آية )٢٣ إذا وجدت لا تحتاج إلى شيء آخر كخلق الطوفان حتى يصير آيةً.
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ في ب: مخرج التكبر..
٤ في ب: وما أقابل إلا بالسيف..
٥ ساقط من ب..
٦ في ب: أنه قد يقدر على الجواب أم لا وفي تفسير الفخر: "لا يعلم أنه لا يقدر على الجواب"..
٧ في ب: ويجوز أن يكون..
٨ سقط لفظ "فصل" من ب..
٩ في ب: يشتمل بالفعلية..
١٠ في ب: على هذا..
١١ في ب: وهكذا..
١٢ في ب: يفضي..
١٣ في ب: فصح..
١٤ ما بين القوسين زيادة من ب..
١٥ زيادة يقتضيها السياق من الفخر الرازي..
١٦ ساقط من ب..
١٧ زيادة من ب..
١٨ في ب: تسعة..
١٩ في ب: أصاب. وهو تحريف..
٢٠ ساقط من ب..
٢١ ساقط من ب..
٢٢ ساقط من ب..
٢٣ ساقط من ب..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود