تفسير المفردات : ليعلمن الله الذين صدقوا : أي ليظهرن صدقهم.
المعنى الجملي : بعد أن قال في أواخر السورة السالفة : وادع إلى ربك ( الحج : ٦٧ )وكان في الدعاء إليه توقع الطعن والضرب في الحرب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن لم يؤمن المشركون ويستجيبوا للدعاء، وذلك مما يشق على بعض المؤمنين - أردف ذلك تنبيههم إلى أن المؤمنين لا يتبين إيمانهم الحق إلا إذا فتنوا.
روى ابن جرير وابن المنذر أن ناسا ممن كانوا بمكة آمنوا فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة لا يقبل منكم إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا إلى المدينة فتبعهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم هذه الآيات فكتبوا إليهم، أنزلت فيكم آية كذا وكذا ؟ فقالوا : تخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( النحل : ١١٠ ).
قال مقاتل : نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب، وكان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، رماه عامر الخضرمي بسهم فقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ :" سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " وجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت : الم أحسب الناس أن يتركوا الآية.
الإيضاح : ثم ذكر ما هو كالتسلية لهم بما نال من قبلهم بالمشاق فقال :
ولقد فتنا الذين من قبلهم أي لقد اختبرنا أتباع الأنبياء من الأمم السالفة وأصبناهم بضروب من البأساء والضراء فصبروا وعضوا على دينهم بالنواجذ، فابتلينا بني إسرائيل بفرعون وقومه وأصابهم منه البلاء العظيم والجهد الشديد، وابتلينا من آمن بعيسى بمن كذبه وتولى عنه - لا جرم ليصيبنّ أتباعك أذى شديد وجهد عظيم ممن خالفهم وناصبهم العداء.
روى البخاري وأبو داود والنسائي عن خبّاب بن الأرتّ قال :" شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ؛ فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ؛ لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ".
وعن أبي سعيد الخدري قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم هو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت : يا رسول الله ما أشدها عليك ! قال :" إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر "، قلت : يا رسول الله : أي الناس أشد بلاء ؟ قال :" الأنبياء "، قلت : ثم من ؟ قال :" ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها( يمزقها )وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء ".
ونحو الآية قوله : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ( آل عمران : ١٤٦ ).
فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أي وليظهرن الله الصادقين منهم في إيمانهم من الكاذبين بما يشبه الامتحان والاختبار، وليجازين كلا بما يستحق.
وخلاصة ما سلف : أيها الناس لا تظنوا أني خلقتكم سدى، بل خلقتكم لترقوا إلى عالم أعظم من عالمكم وأرقى منه في كل شؤونه، ولا يتم ذلك إلا بتكليفهم بعلم وعمل، واختباركم من آن إلى آخر بإنزال النوازل والمصايب، في الأنفس والأموال والثمرات، والتخلي عن بعض الشهوات، وفعل التكاليف من الزكاة والصيام والحج ونحوها فحياتكم حياة جهاد وشقاء، شئتم أو أبيتم.
وبمقدار ما تصبرون على هذا الاختبار وتفوزون بالنجاح فيه يكون مقدار الجزاء والثواب، وتلك سنة الله فيكم وفي الأمم من قبلكم، وتاريخ الأديان مليء بأخبار هذا البلاء وما لقيه المؤمنون من المكذبين بالرسل.
تفسير المراغي
المراغي