قوله تعالى: وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ قال ابن عباس والسدي ومجاهد وقتادة: لا يفتنون في إيمانهم وأموالهم وأنفسهم (١).
قال مقاتل وقتادة: يقول: أحسبوا أن يتركوا على التصديق بتوحيد الله وهم لا يبتلون بالقتل وبالتعذيب في الدنيا بقولهم: آمنا (٢)، وهم لا يعاملون معاملة المختَبَر لتظهر الأفعال التي يُستحق عليها الجزاء، ثم أخبر عن فتنة مَنْ قبل هذه الأمة من المؤمنين (٣) بقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ.
٣ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قالوا جميعًا: ابتلينا (٤).
قال ابن عباس: منهم إبراهيم خليل الرحمن -عليه السلام-، وقوم كانوا معه ومِنْ بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه (٥).
(٢) "تفسير مقاتل" ٧٠ ب، بمعناه. قال ابن قتيبة: وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ أي: لا يقتلون ولا يعذبون. "غريب القرآن" ٣٣٧.
(٣) "تفسير مقاتل" ٧٠ ب.
(٤) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ١٢٩، عن مجاهد، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٣٢، عن الضحاك، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، وعطاء. و"تفسير مقاتل" ٧٠ ب. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ١١٣. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ٣٣٧، وقال في "تأويل مشكل القرآن" ٤٧٢: اختبرنا.
(٥) ورد هذا المعنى في حديث مرفوع أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم الحديث (٣٨٥٢)، "فتح الباري" ٧/ ١٦٥. من حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه-، قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا فقعد وهو محمرٌ وجهُه فقال: "لقد =
وقال غيره: يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب (١).
قوله تعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ قال مقال: يقول: فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم من هذه الأمة عند البلاء، فيصبروا لقضاء الله وَلَيَعْلَمَنَّ يقول: وليرين الْكَاذِبِينَ (٢)، فتنوا عند البلاء والتمحيص؛ يعني: المنافقين.
قال أبو إسحاق: فَلَيَعْلَمَنَّ صِدْق الصادق بوقوع صدقه منه، ووقوع كذب الكاذب منه، وهو الذي يجازَى عليه، والله -عز وجل- قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما؛ ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازَى عليه (٣). يعني أن قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ جاء بلفظ الاستقبال لحدوث المعلوم وهو الصدق والكذب، وإنما يعلم صدق الصادق كائنًا عند حدوثه، وكذلك كذب الكاذب، وقد بينا هذا بيانًا شافيًا عند قوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ في سورة البقرة [١٤٣] (٤).
(١) ذكره الطبرسي "مجمع البيان" ٧/ ٤٢٨، ولم ينسبه.
(٢) "تفسير مقاتل" ٧٠ ب.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٦٠.
(٤) قال الواحدي في تفسيرِ هذه الآية: قوله تعالى: إِلَّا لِنَعْلَمَ والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يَحدث له علم، واختلف أهل المعاني في وجه تأويله، فذهب =
واختار صاحب النظم في قوله: الم أن يكون قسمًا، وجعله واقعًا على قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ وجعل قوله: أَحَسِبَ النَّاسُ كلامًا معترضًا بين القَسَم وبين ما هو واقع عليه؛ قال: ودل على هذا دخول النون الثقيلة في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ كما تقول: والله لأضربنَّ عمرًا.
فإن قيل: لِمَ دخلت الفاء في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ قيل: إنه لما يجيء بالجواب لقوله: الم حتى قال: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ صار كأن قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ معطوفًا عليه وجوابًا له فقد اشترك قوله: الم وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ في قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ للعطف على معنى: وَلَقَدْ فَتَنَّا وذلك أن الله تعالى لما قال: أَحَسِبَ النَّاسُ الآية، كان إنكارًا لحسبانهم أنهم لا يفتنون، وإذا كان إنكارًا ففيه دليل على أنه -عز وجل- أوجب أن يفتنهم؛ لأنه لا ينكر شيئًا إلا ويوجب ضده، ثم لما قال: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دل بهذا القول على هذا المعنى من إيجاب الفتنة، فيكون تأويله: لنفتنهم كما فتنا الذين من قبلهم، ثم صار قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ معطوفًا على هذا التأويل.
وقال في قوله: الَّذِينَ صَدَقُوا ليس هذا من الصدق اللازم الذي تأويله: صَدَق في قوله، وهو من الصدق المتعدي الذي يقال عنه: صَدَقَنِي فلانٌ، أي: قال لي الصدق، وكَذَبَنِي؛ أي: قال لي الكذب. والمعنى
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي