وقال الضحاك : ضرب مثلاً لضعف آلهتهم ووهنها، فلو علموا أن عبادة الأوثان، في عدم الغنى، كما ذكرنا في المثل، لَمَا عبدوها، ولكنهم لا يعلمون، بل الله يعلم ضَعف ما تعبدون من دونه وعجزه، ولذلك قال : إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء ، أي : يعلم حاله، وصفته، وحقيقته، وعدم صلاحيته لِمَا تؤملونه منه، فما : موصولة، مفعول " يعلم "، وهي تامة، أي : يتعلق علمه بجميع ما يعبدونه من دونه، أيّ شيء كان. أو ناقصة، والثاني محذوف، أي : يعلمه وهياً وباطلاً. وقيل : استفهامية معلقة، وأما كونها نافية فضعيف، و " من " الثانية ؛ للبيان، ومن قرأ بالخطاب ؛ فعلى حذف القول، أي : ويقال للكفرة : إن الله يعلم ما تعبدونه من دونه من جميع الأشياء، أو : أيّ شيء كان.
وهو العزيزُ الغالب الذي لا شريك له، الحكيمُ في ترك المعاجلة بالعقوبة، وفيه تجهيل لهم، حيث عبدوا جماداً لا علم له ولا قدرة، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء، الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير.
تنبيه : الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف، والعزيز والذليل، والفقير والغني ؛ لِحكمة، وأما أسرار المعاني القائمة بها ؛ فكلها قوية عزيزة غنية، فالأشياء، بهذا الاعتبار - أعني : النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها، عزيزة في ذلها، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شيء أقوى شيء، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. رُوي أنه لما نزل قوله تعالى : وإن أوْهَن البيوت لبيتُ العنكبوت ؛ شكى العنكبوتُ إلى الله تعالى، وقال ربِّ خلقتني ضعيفاً، ووصفتني بالإهانة والضعف، فأوحى الله تعالى إليه : انكسر قلبك من قولنا، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش، وأغنينا محمداً عن كل ركن كثيف، فقال : يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي، وفي إهانتي قوتي. هـ. ذكره في اللباب.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي