إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْء ما استفهامية، أو نافية، أو موصولة، ومن للتبعيض أو مزيدة للتوكيد. وقيل : إن هذه الجملة على إضمار القول، أي قل للكافرين إن الله يعلم أيّ شيء يدعون من دونه. وجزّم أبو علي الفارسي بأنها استفهامية، وعلى تقدير النفي كأنه قيل : إن الله يعلم أنكم لا تدعون من دونه من شيء، يعني : ما تدعونه ليس بشيء، وعلى تقدير الموصولة : إن الله يعلم الذين تدعونهم من دونه، ويجوز أن تكون ما مصدرية، و من شيء عبارة عن المصدر. قرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب : يدعون بالتحتية. واختار هذه القراءة أبو عبيد لذكر الأمم قبل هذه الآية. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب وَهُوَ العزيز الحكيم الغالب المصدر أفعاله على غاية الإحكام والإتقان.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر قال : في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمران بن حصين قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر فقال :«من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلاّ بعدًا» وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، والبيهقي في الشعب عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»، وفي لفظ :«لم يزدد بها من الله إلاّ بعدا» وأخرج الخطيب عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً نحوه. قال السيوطي : وسنده ضعيف. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر، والطبراني في الشعب عنه نحوه موقوفاً. قال ابن كثير في تفسيره : والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش وغيرهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ يقول : ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ذكرهم إياه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن ربيعة قال : سألني ابن عباس عن قول الله وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ فقلت : ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير قال : لذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، ثم قال : اذكروني أذكركم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير عن ابن مسعود وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ قال : ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله. وأخرج ابن السني وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : لها وجهان : ذكر الله أكبر مما سواه، وفي لفظ ذكر الله عندما حرّمه، وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال : ما عمل آدميّ عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا أن يضرب بسيفه حتى يتقطع، لأن الله يقول في كتابه العزيز وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر، والحاكم في الكنى، والبيهقي في الشعب عن عنترة قال : قلت لابن عباس : أيّ العمَل أفضل ؟ قال : ذكر الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله : وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ قال : بلا إله إلاّ الله. وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون». وأخرج البيهقي في الشعب، والديلمي، وأبو نصر السجزي في الإبانة عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدّقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلّ له إلاّ أن يتبعني». وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود قال : لا تسألوا أهل الكتاب، وذكر نحو حديث جابر، ثم قال : فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني