قال: ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. ابن عون: معناه: الصلاة التي أنت فيها وذكرك الله فيها أكبر مما نهتك عنه الصلاة من الفحشاء والمنكر، وقال ابن عطاء: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ من أن تبقى معه بالمعصية.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٦ الى ٥٥]
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ الجدال: فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه، وأصله شدة الفتل ومنه قيل للصقر: أجدل لشدة فتل بدنه وقوة خلقه، وقيل: الجدال من الجدالة وهو أن يروم كل واحد من الخصمين قهر صاحبه وصرعه على الجدالة وهي الأرض.
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ألطف وأرفق، وهو الجميل من القول والدعاء إلى الله والبينة على آيات الله وحججه.
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال مجاهد: يعني إن قالوا شرا فقولوا خيرا إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، فأولئك انتصروا منهم وجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية. قال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب من لا عهد لهم فجادلوهم بالسيف. ابن زيد: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم.
ومجاز الآية: إلّا الذين ظلموكم لأنّ جميعهم ظالم. وقال قتادة ومقاتل: هذه الآية منسوخة بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «١»... الآية.
وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، قال:
أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري: إنّ أبا نملة أخبره واسمه [عمّار] «١»
إنّه بينما هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم جالس جاءه رجل من اليهود ومر بجنازة.
فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «الله أعلم»، فقال اليهودي: إنّها تتكلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم» [١٥٨] «٢».
وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ... الآية» [١٥٩] «٣».
وروى سفيان ومسعود، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار قال: بينما رجل من أهل الكتاب يحدث أصحابه وهم يسبّحون كلما ذكر شيئا من أمرهم، قال: فأتوا رسول الله (عليه السلام) فأخبروه، فقال: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولكن قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ «٤» [١٦٠].
وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَكَذلِكَ أي وكما أنزلنا الكتاب عليهم.
أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني مؤمني أهل الكتاب- عبد الله بن سلام وأصحابه.
وَمِنْ «٥» هؤُلاءِ الذين هم بين ظهرانيك اليوم من يؤمن به وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ قال قتادة: إنّما يكون الجحود بعد المعرفة.
وَما كُنْتَ تَتْلُوا يا محمد مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل هذا الكتاب الذي أنزلنا عليك مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ تكتبه بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ يعني: لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب
(٢) مسند أحمد: ٤/ ١٣٦.
(٣) السنن الكبرى: ٦/ ٤٢٦.
(٤) الدرّ المنثور: ٥/ ١٤٧، جامع البيان للطبري: ٢١/ ٦. [.....]
(٥) في نسخة أصفهان: ومن هؤلاء يعني أهل مكة من يؤمن به وهم مؤمنوا أهل مكة، وقال محمد بن جرير في (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) ممن كان قبلك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ... إلخ.
قبل الوحي إذا لشك المبطلون- أي المشركون- من أهل مكة وقالوا: هذا شيء تعلّمه محمد وكتبه، قاله قتادة.
وقال مقاتل: الْمُبْطِلُونَ هم اليهود، ومعنى الآية: إذا لشكّوا فيك واتهموك يا محمد، وقالوا: إنّ الذي نجد نعته في التوراة هو أمي لا يقرأ ولا يكتب.
بَلْ هُوَ يعني القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ عن الحسن، وقال ابن عباس وقتادة: بل هو يعني محمد صلى الله عليه وسلّم والعلم بأنّه «١» أمي آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ «٢» أهل العلم من أهل الكتاب يجدونها «٣» في كتبهم. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود وابن السميقع بل هي آيات.
وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ كما أنزل على الأنبياء قبلك، قرأ ابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأيوب وعاصم برواية أبي بكر آية على الواحد، الباقون آياتٌ بالجمع واختاره أبو عبيد لقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ حتى إذا شاء أرسلها، وليست عندي ولا بيدي.
وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هذا جواب لقولهم لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ،
وروى حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة أنّ أناسا من المسلمين أتوا نبي الله (عليه السلام) بكتب قد كتبوها فيها بعض ما يقول اليهود فلما أن نظر فيها ألقاها ثم قال: «كفى بها حماقة قوم- أو ضلالة قوم- أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم إلى قوم غيرهم»
«٤» [١٦١]، فنزلت أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ... الآية.
قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ نزلت في النضر بن الحارث «٥» حين قال: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ وقال: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا...
وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى في نزول العذاب، وقال ابن عباس: يعني ما وعدتك أن لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، بيانه قوله: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ «٦»...
الآية، وقال الضحاك: يعني مدة أعمارهم في الدنيا. وقيل: يوم بدر.
(٢) في نسخة أصفهان: الذين أوتوا العلم.
(٣) في نسخة ثانية: تجدونها في كتابهم.
(٤) جامع البيان للطبري: ٢١/ ١٠.
(٥) في نسخة أصفهان: الحرث.
(٦) سورة القمر: ٤٦.
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي
نظير الساعدي