ومَنْ أظلمُ أي : لا أحد أظلم ممن افترى على لله كذباً ؛ بأن جعل له شريكاً، أو كذّب بالحق ؛ الرسول صلى الله عليه وسلم، أو : الكتاب، لمَّا جاءه أي : لم يتلعثموا في تكذيبه لَمّا سمعوه، وفي " لَمَّا "، المقتضية للاتصال، تسفيه لرأيهم، حيث لم يتوقفوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه. أليس في جهنم مَثْوىً ؛ مقاماً للكافرين ، وهو تقرير لمثواهم في جهنم، لأن همزة الإنكار، إذا دخلت على النفي، صار إثباتاً، كقوله١ :
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ***. . .
أي : أتم خير من ركب المطايا، والتقدير : ألا يستوجبون الثوى فيها ؟ وقد افتروا مثل هذه العظيمة، كذبوا على الله وكذّبوا بالحق الذي جاء من عنده، أو : ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين ؟ حين اجترأوا مثل هذه الجرأة، بل لهم فيها مثوى وإقامة. وهذه الآية في مقابلة قوله : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً [ العنكبوت : ٥٨ ]. لاسيما في قراءة الثاء. والله تعالى أعلم.
... *** وأندى العالمين بطون راح
والبيت لجرير في ديوانه ص ٨٥، ٨٩، والجنى الداني ص ٣٢، وشرح شواهد المغني ١/٤٢، ولسان العرب (نقص). ومغني اللبيب ١/١٧ وبلا نسبة في الخصائص ٢/٤٦٣..
الإشارة : الحرم الآمن، في هذه الدار، هو التبتل والانقطاع عن الدنيا وأبنائها، والتجريد من أسبابها، فمن دخله أَمِنَ ظاهراً وباطناً، ومن هجرها، وترك الناس حوله يتخطفون ويتهارجون عليها، وهو يتفرج عليهم، فالدنيا جيفة والناس كلابها، فإن خالطتهم ناهشوك، وإن تركت لهم جيفتهم سَلِمتَ منهم، فمن كذّب بهذا فقد كذَّب بالحق وآمن بالباطل، فلا أحد أظلم منه. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي