ﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ

ثم حذر المؤمنين من الاستماع لهم، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الذين آمنوا ، الخطاب عامٌ، والمراد : نفر من الأوس والخزرج، إن تُطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ، وهو شاسُ بن قيس اليهودي، كان شيخاً كبيراً، وكان عظيمَ الكفر شديد الضغن على المسلمين، مرَّ بنفر من الأوس والخزرج، جلوساً يتحدثون، وكان بينهما عداوة في الجاهلية، فغاظه تآلفهم واجتماعهم، وقال : قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة بهذه البلاد، فما لنا معهم قرار، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس بينهم ويُذكِّرهم يوم بعاث - وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية - ويُنشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفرُ في ذلك اليوم للأوس، ففعل، وتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا : السلاحَ السلاحَ، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال :" أبدعْوَى الجَاهِليةِ وأنا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، بعدَ إذ أكْرَمَكْم اللّهُ بالإسْلام، وقَطَعَ به عَنْكُم أمْرَ الجَاهِلِية، وألْفَ بَينكُم ؟ " فعلموا أنها نزغة ٌ من الشيطان وكيدٌ من عدوهم، فَأَلَقَوا السِّلاحَ، واستغفروا وعانق بعضهم بعضاً، وانصرفوا مع الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - فنزلت الآية.
يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من اليهود يردوكم بعد إيمانكم كافرين ؛ يُبيح بعضكم دماء بعض، كما كنتم في الجاهلية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما نهى الله عن طاعة من يرد عن الإيمان، نهى عن طاعة من يصد عن مقام الإحسان، كائناً ما كان، وكيف يرجع عن مقام التحقيق، وقد ظهرت معالم الطريق لمن سبقت له العناية والتوفيق !. قال بعضهم : والله ما رَجَعَ مَنْ رَجَعَ إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبداً. إذ لا يمكن أن يرجع من عين اليقين إلى علمِ اليقين، أو من اليقين إلى الظن. ومن أراد الثبات على اليقين فليعتصم بحبل الله المتين، وهو صحبة العارفين، فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ [ آل عِمرَان : ١٠١ ].
ثم خاطب أهل الإحسان فقال : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته بأن تغيبوا عما سواه، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية، قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان، و فَاْتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : ١٦ ] : خطاب لأهل الإسلام والإيمان، أو هذه لأهل التجريد، والثانية لأهل الأسباب، أو لأهل الباطن، والثانية لأهل الظاهر، فلكل آية أهل ومحل، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله حق تقاته بباطنه، وليتق الله ما استطاع بظاهره. هـ. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير