(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)
* * *
كان نزول هذه الآية وما وليها من آيات بعد تلك المحاولة التي حاولها الشيخ اليهودي في التفرقة بين الأوس والخزرج، والتي هَمَّ الفريقان بسببها أن يتشاجرا بالسيوف لولا أن نبي الرحمة تداركهم قبل أن يفعلوا، وأدركوا بكلمات
الرسول أنها نزغة الشيطان، فحذرهم الله تعالى هذه النزغة مرة أخرى، وأمرهم بالحذر الشديد من اليهود خشية أن يكون فعلهم محاولة لما يريد أولئك الأشرار الذين ابتلى الله بهم البرية، ومطاوعة لمقاصدهم الآثمة، وصدر الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تنبيها لخطر ما يدعوهم إليه، ولتحريك عناصر الإيمان في قلوبهم، فيكون منهم الحذر واليقظه، فإن الإيمان فطنة (١)، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (٢)، ولأن علة الإجابة للطلب هي الإيمان، وفي قوله تعالى: (إِن تطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عبر في الشرط بـ " إن " للإشارة إلى بعد وقوع الطاعة منهم لهؤلاء مع إيمانهم، لأن " إن " الشرطية تفيد الشك في وقوع الشرط، وبالتالي ترتب الجواب عليه، بخلاف " إذا " فإنها تفيد وقوع الشرط أو تؤذن بوقوعه وترتب الجواب عليه، كقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، وقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ)، وقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، وذكر سبحانه وتعالى الذين يحاولون إركاس المسلمين في الفتنة وتضليلهم، بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب؛ لأنهم لم يكونوا كلهم، ولأنه يرجى الإيمان من بعضهم. بدل الاستمرار على الغي والفساد؛ ووصفهم سبحانه وتعالى: بأنهم أوتوا الكتاب للإشارة إلى أن تضليلهم مقصود، وأنهم أهل معرفة، ولكنهم استخدموها للضلال والتضليل، فصاروا بهذا كالأنعام بل أضل سبيلا؛ لأن المعرفة إن لم تكن لنصرة الحق كان الجهل خيرا منها؛ لأنه أدنى إلى المعذرة.
وقد رتب سبحانه على الطاعة المفروضة التي حذر سبحانه وتعالى منها نتيجتها إن وقعت، ولا تقع من مؤمن بحمد الله تعالى فقال سبحانه: (يرُدُّوكُم
________
(١) الفطنة: الفهم والحذق.
(٢) متفق عليه؛ رواه البخاري: الأدب - لَا يلدغ مؤمن من جحر مرتين (٥٦٦٨)، ومسلم: الزهد والرقائق (٥٣١٧) وجاء في فتح الباري.
بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) وفي هذا يعبر سبحانه وتعالى بقوله (يَرُدُّوكم) ولم يقل (ترتدوا) والمعنى متلاق، ولكن الأول في بيان تسلط الكفار على قلوب أهل الإيمان في حال تلك الطاعة، فهو نوع آخر من التحذير منهم؛ لأنهم كالشياطين، فعلى كل مؤمن أن يحذرهم.
أما الارتداد فإنه يكون انبعاثا من نفس المرتد، بضلاله هو لَا بتأثير من غيره.
وفى الجملة النص السامي الكريم سيق لتحذيرهم من ذلك العدو الذي اختلط بهم، وأخذ ينفث سموم الشر، وسموم التفرقة بينهم، وأنهم يعودون إلى الكفر إذا استجابوا لدعوته، ومكنوا لسمومه من أن تصل إلى قلوبهم، ولقد بيَّن سبحانه بعد ذلك أنه ما كان يسوغ لهم أن يستمعوا إلى دعوات الأعداء، ويفتحوا الباب لتدبيرهم الخبيث، ورسول الله فيهم فقال:
* * *
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة