ﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ

سورة آل عمران
في هذه السورة ثلاثة فصول طويلة : الأول في صدد مناظرة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب. والثاني في صدد مواقف اليهود ومكائدهم. والثالث في صدد وقعة حربية بين النبي والمسلمين والمشركين. وقد تخلل كل فصل ما يناسب موضوعه من محاجات وتنديدات وتنويهات ومواعظ ومعالجات وتلقينات ومبادئ جليلة.
وجمهور المفسرين وكتاب السيرة١ متفقون على أن المناظرة التي جاء الفصل الأول في صددها كانت مع وفد نصارى نجران. ولكنهم لا يذكرون متى قدم هذا الوفد إلى المدينة. وفي سياق لابن سعد في الجزء الثاني من طبقاته٢ وللإمام أبي يوسف في كتابه الخراج٣ نصّ عهد نبوي لهم من شهوده أبو سفيان بن حرب. وهذا قد يعني إن صح أن العهد كتب بعد فتح مكة بما لا يقل عن سنة. ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب العهد الذي كتبه لهم أمنهم على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وبيعهم وأن لا يغير أسقف عن أسقفيته وفرض عليهم جزية سنوية مقدارها ألفا حلة وآذنهم فيه أن ذمته بريئة ممن أكل الربا منهم.. إلخ. لأن هذا لا يمكن أن يكون وقع إلا بعد أن صار للنبي سلطان على اليمن. وهذا إنما ثمّ بعد فتح مكة. وقد أورد ابن هشام خبر قدوم وفد من نصارى نجران على النبي في سلسلة أخبار وقعت أحداثها قبل فتح مكة بمدة طويلة بل وقبل خبر وقعة أحد التي كانت في السنة الهجرية الثالثة. ولم يذكر تاريخا ولا كتاب عهد مع ذكره أن الشطر الأول من السورة قد نزل في مناسبة قدومه، وأنهم تناظروا معه في أمر المسيح وأنه اقترح عليهم المباهلة وجعل لعنة الله على الكاذبين امتنعوا وقالوا له : نوادعك ونبقى على ديننا٤.
وإجماع الروايات على أن الفصل الأول هو في صدد هذا الوفد ومجيء السورة في الترتيبات المروية بعد سورة الأنفال يسوغان القول : إن وفد نجران قد قدم في وقت مبكر جدا من العهد المدني وقبل فتح مكة. ويكون خبر نزول سورة آل عمران بعد سورة الأنفال بسبب الفصل الذي فيه خبر المناظرة مع الوفد واردا صحيحا. وحينئذ يكون الخبر الذي رواه ابن سعد وأبو يوسف عن قدوم الوفد بعد فتح مكة وكتابة النبي صلى الله عليه وسلم عهدا له حادثا ثانيا.
وجمهور المفسرين متفقون كذلك على أن الوقعة الحربية التي جاء الفصل الثالث من فصول السور في صددها هي وقعة أحد التي جرت بين المسلمين وبين جيش كفار قريش عند جبل أحد قرب المدينة بعد خمسة عشر شهرا من وقعة بدر حيث زحف صناديد قريش على رأس جيش كبير من مكة على يثرب لأخذ ثأرهم من يوم بدر. وورود هذا الفصل في السورة يؤيد وجاهة كون السورة نزلت بعد سورة الأنفال التي دار معظمها على وقعة بدر. ولقد أورد ابن هشام خبر قدوم وفد نجران قبل خبر وقعة أحد. وقد يؤيد كون وفد نجران جاء قبل وقعة أحد ورود فصل المناظرة في السورة قبل فصل أحد. ولعل انتصار النبي والمسلمين في بدر على أهل مكة كان ذا دويّ عظيم في أنحاء الجزيرة وهذا مما لا يتحمل ريبا حفز نصارى نجران على إرسال وفدهم لاستطلاع النبأ النبوي العظيم وسهل قدومه. والله تعالى أعلم.
ومن المحتمل أن تكون مواقف اليهود التي جاء الفصل الثاني في صددها قد كانت في ظروف قدوم وفد نجران فوضعت فصلا ثانيا. وفي كتب التفسير٥ روايات تذكر أن اليهود كانوا طرفا ثالثا في ما كان يجري من مناظرة بين النبي ووفد نجران. وفي هذا الفصل خطاب موجه إلى أهل الكتاب عامة حينا وإلى النصارى واليهود حينا مما فيه تأييد لذلك. ولقد ذكرت روايات المفسرين٦ اسم بني النضير في سياق تفصيل المواقف اليهودية التي حكاها الفصل. وبنو النضير إنما أجلوا عن المدينة بعد وقعة أحد. وفي هذا تأييد آخر. وقد يدل هذا أن وقعة أحد قد كانت بعد ذلك فوضع فصلها بعد الفصلين. ومع كل ما تقدم فنحن نرجح أن فصول السورة وآياتها قد رتبت بعد استكمال نزولها كما هو شأن سورة البقرة. والله أعلم.

١ انظر تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والزمخشري والطبرسي وابن هشام ج ٢ ص ٢٠٤ ـ ٢١٦..
٢ طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٥٥ ـ ١١٩..
٣ ص ٤٠ ـ ٤١..
٤ ابن هشام ج ٢ ص ٢٠٤ ـ ٢١٦..
٥ أنظر كتب التفسير السابقة الذكر. وانظر في صدد وقعة أحد ابن سعد ج ٣ ص ٧٨ ـ ٩١. وابن هشام ج ٣ ص ٣ ـ ١٥٩..
٦ أنظر المصدر نفسه..

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير