ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه فيما سلف أحوال الكافرين وما يحيق بهم من العقاب وأحوال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب جامعا بين الزجر و الترغيب و الوعد و الوعيد ثم وصف من آمن من الكفار بتلك الخلال الحسنة و المفاخر التي عددها لهم- أتبع ذلك بوعيد الكفار و تيئيسهم بأنهم لن يجدوا يوم القيامة ما يدفع عنهم عذابه ثم أردفه ببيان أن ما ينفقونه في هذا الحياة الدنيا في لذاتهم وجاههم و تأييد كلمتهم لا يفيدهم شيء كزرع أصابته ريح فيها صر فأهلكته فلم يستفد أصحابه منه شيئا.
ومثل الشيء : مثله وشبهه و الصر( بالكسر ) و الصرة : البرد الشديد.
وبعد أن أبان أن أموالهم لا تغني عنهم شيئا ذكر أن ما ينفقونه من المال في سبل الخير لا يجديهم ليزيل ما ربما علق بالبال من أنهم ينتفعون به وضرب لذلك مثلا فقال :
مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته أي إن ما ينفقونه في اللذات ونشر الصيت واكتساب الشهرة وتأييد الكلمة فيصدهم عن سبيل الله ويفسد عقولهم و أخلاقهم التي هي عماد المنافع كمثل ريح باردة أصابت حرث قوم فأهلكته
و خلاصة ذلك : أن حالهم فيما ينفقون و إن كان في الخير كحال الريح الشديدة البرد التي تهلك الزرع فهؤلاء لا يستفيدون من نفقتهم شيئا كما أن أصحاب ذلك الزرع كذلك.
فهو إذا أنفقوا أموالهم في بناء الحصون و القلاع لصد العدو و إقامة القناطر لحفظ المياه وأمن الطريق و في الإحسان إلى الضعفاء واليتامى وذوي الحاجات و رجوا من ذلك الثواب الجزيل ثم قدموا إلى الآخرة ورأوا كفرهم قد أبطل آثار ذلك الخير كانوا كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كثيرا فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى له إلا الحسرة والندامة و نحو الآية قوله : وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ( الفرقان : ٢٣ ). وقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ( النور : ٣٩ ).
وجماع هذا كله قوله : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( المائدة : ٢٧ ).
ومما سلف تعلم أن هذا المثل ضرب لخيبتهم في الآخرة وليس بالبعيد أن يكون أيضا مثلا لخيبتهم في الدنيا.
ذاك أنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر و تحملوا المشاق ثم انقلب الأمر عليهم فأظهر الله الإسلام و قواه فلم يبقى للكفار من ذلك الإنفاق إلى الخيبة و الحسرة.
وقد جعل الله هذا الحرث لقوم ظلموا أنفسهم لإفادة أن المنفقين لا يستفيدون منه شيئا إذ حرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بلا منفعة في الدنيا ولا في الآخرة.
أما حرث المسلم المؤمن فهو وإن ذهب حسا فهو لا يذهب معنى لما فيه من الثواب بالصبر على ما يصيبه من النكبات و الأحزان.
والخلاصة : إن الجوائح قد تنزل بأموال الناس من حرث ونسل عقوبة لهم على ذنوب اقترفوها إذ لا يستنكر على القادر الحكيم الذي وضع السنن و ربط الأسباب بمسبباتها في عالم الحس أن يوفق بينها وبين سننه الخفية في إقامة ميزان القسط بين الناس لهدايتهم إلى ما به كمالهم من طريق العلوم الحسية التي تستفاد من النظر و التجربة ومن طريق الإيمان بالغيب الذي يرشد إليه الوحي الإلهي.
ونحن نسمي ما يترتب عليه حدوث الشيء سببا له و ما يلابس السبب من النفع لبعض و الضر لآخرين حكمة له و كل ذلك مقصود للفاعل الحكيم.
وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون أي وما ظلمهم الله بعدم انتفاعهم بنفقاتهم بل هم الذين ظلموا أنفسهم بإنفاق الأموال في السبل التي تؤدي إلى الخيبة و الخسران على النهج الذي سنه الله في أعمال الإنسان.
و الآية نزلت فيما كان ينفقه أهل مكة أو ينفقه اليهود في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ومقاومته لأنهم هم الذين اختاروا ذلك لأنفسهم ولم يضروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه بل كان ذلك سبب سيادته عليهم و تمكنه منهم.
و قيل : إنها نزلت فيما كان ينفقه المنافقون في بعض طر ق البر رياء وسمعة أو تقيّة.
وقيل : إن المثل ينطبق على الكافرين الذين ينفقون أموالهم في طرق البر رغبة في الخير لأن شروط الثواب على تلك الأعمال و الإيمان وقد ظلموا أنفسهم بترك النظر في الدلائل بعدما ظهرت، أو بالجحود بعد النظر وإقامة الحجة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير