ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

افتقاده فلا نفع، وذكر أجلّ ما هو عندهم خير، وهو الأموال
والأولاد، وأنها لا تغني عنهم، وعلى ذلك ما حكى عن الكفار:
(مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ) وجعلهم أصحاب النار لملازمتهم إياها.
قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧).
الصّر: برد يحرق النبات.
وقال مجاهد: هو النار.

صفحة رقم 814

وأصله صوت النار، وكأنه حكى به الصرير والصرصرة.
ونحوهما، والآية قيل: نزلت في أبي سفيان وأهل مكة

صفحة رقم 815

لإِنفاقهم المال في معاداة النبيّ - ﷺ -، لما بيّن في الآية الأولى أن مالهم لا يغني عنهم، بين أن إنفاق هؤلاء مع كونه غير نافع ضار
لهم، وراجع بالوبال عليهم، فمن المفسرين من قال القصد
إلى تشبيه ما لهم المنفق بالحرث. المحرق، وكفرهم المهلك بريح
ذات صِرٍّ، لكن أخرج التشبيه ملفوفاً لا مكشوفاً، على تحقيق
مطابقة لفظ المشبّه والمشبّه به، وذلك نحو ما تقدم.
ومنهم من قال: القصد في ذلك تشبيه أموالهم في إهلاكها إياهم بريح
ذات صِرٍّ في كونها مهلكة لحرث قوم، ثم اختلفوا في هذه
النفقة، فمنهم من جعلها لما أنفقه هؤلاء وأمثالهم في معاداة

صفحة رقم 816

المسلمين، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).
ومنهم من جعلها لكل ما ينفقه الكافر، أي شيء أنفقه فإن
الكافر معاقب في ذلك كله، كما أن المؤمن مثاب على ما أنفقه على
أي وجه أنفقه، وعلى هذا قال - ﷺ - لسعد:. "إنك لتؤجر في نفقتك كلها، حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك ".
ووجه ذلك أن المؤمن

صفحة رقم 817

لا يأخذ إلا من حيث على ما يجب وكما يجب، ولا يضع
إلا كذلك، والكافر بخلاف ذلك، ومنهم من قال: (مَا يُنْفِقُونَ)
عبارة عن أعمالهم كلها، لكن خصّ الإِنفاق لكونه أظهر
وأكثر، وإنما خصّ حرث قوم ظلموا أنفسهم من أجل أن
الناس فيما يصيبهم أمن، الجائحة ضربان:
صالح لا يستحق عقوبة، فإذا نالته صار ذلك له أجراً مُدَّخرا.
فكأنه لم يضع ماله، وسيِّئ يستحق عقوبة، فإذا نالته فقد ضاع ماله في الحال وفي المآل، ومنهم من قال: معنى (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي زرعوا
الحرث في غير وقته، تنبيها أن الكفار أساءوا فيما كان ينبغي
لهم أن يفعلوه إساءة هؤلاء الحرّاث في حرثهم من تقديم أو تأخير.
إن قيل: كيف قال: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ)، وقد قيل: متى
هبت الريح لم يؤثر الصِرُّ؟
قيل في ذلك أجوبة:

صفحة رقم 818

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية