ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

آل عمران من : وإذ غدوت من أهلك إلى ولقد صدقكم الله وعده [ آل عمران : ١٢١- ١٥٢ ]

٨٦١-
أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال : حدثنا أحمد بن محمد، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم، من علمائنا، كل قد حدث بعض الحديث، عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كلهم، فيما سقت من هذا الحديث، عن يوم أحد(٨)، قال : لما أصابت قريش، أو من قاله منهم يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم(٩) إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، ممن أصيب آباؤهم، وأبناؤهم، وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا : يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم(١٠)، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرنا بمن أصاب، ففعلوا.
فأجمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه و سلم، حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير، بأحابيشها(١١) ومن أطاعها، من قبائل بني كنانة، وأهل تهامة، كل قد استعدوا على حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم.
فخرجت قريش بحدها وحديدها، وأحابيشها، ومن اتبعها من بني كنانة، وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة(١٢) ولئلا يفروا.
فخرج أبو سفيان بن حرب، وهو قائد الناس، معه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه.
فأقبلوا حتى نزلوا بعينين : جبل ببطن السبخة من قناة، على شفير الوادي، مما يلي المدينة.
فلما سمع بهم رسول الله والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :«إني قد رأيت بقرا تنحر، وأريت في ذباب سيفي ثلما، وأريت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها».
ونزلت قريش منزلها بأحد يوم الأربعاء، فأقاموا ذلك اليوم، ويوم الخميس ويوم الجمعة. وراح رسول الله صلى الله عليه و سلم حين صلى الجمعة، فأصبح بالشعب من أحد، والتقوا يوم السبت للنصف من شوال، سنة ثلاث، وكان رأي عبد الله بن أبي مع رأي رسول الله، ويرى رأيه في ذلك أن لا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته يوم بدر، وحضروه : يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم، وضعفنا. فقال عبد الله بن أبي : يا رسول الله أقم بالمدينة، ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط، إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر، وإن دخلوا قاتلهم الرجال والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، كما جاءوا.
فلم يزل الناس برسول الله، الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم، حتى دخل رسول الله فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة، حين فرغ من الصلاة، ثم خرج عليهم. وقد ندم الناس، وقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولم يكن ذلك لنا.
فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا : يا رسول الله، استكرهناك، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما ينبغي لنبي، إذا لبس لأمته، أن يضعها، حتى يقاتل !
فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في ألف رجل، من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد عدل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، ومضى رسول الله حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه(١٣)، فأصاب ذباب سيفه، فاستله، فقال رسول الله – وكان يحب الفأل ولا يعتاف لصاحب السيف- :«شم سيفك فأرى أن السيوف ستسل اليوم»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه :«من رجل يخرج بنا على القوم من كثب»، أي : من قريب، من طريق لا تمر بنا عليهم ؟.
فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن حارث بن الخزرج : أنا يا رسول الله، فتقدمه في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع ابن قيظي، ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على وجهه، حتى نزل بالشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال : لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال.
وقد سرحت قريش الظهر والكراع(١٤) في زروع كانت بالصمغة(١٥) من قناة للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن القتال : أترعى زروع بني قيلة(١٦) ولما نضارب، وتعبى رسول الله للقتال، أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ معلم بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا فقال : انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت علينا أو لنا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك.
وظاهر رسول الله بين درعين، وقال : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟. فقام إليه رجال، فأبى أن يعطيهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة قال : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : أن يضرب به في العدو حتى ينثني، فقال : أنا آخذه بحقه، فأعطاه.
فكان ما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية، من آل عمران، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم يقول الله عز وجل لنبيه عليه السلام : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم . أي : سميع لما تقولون، عليم بما تخفون(١٧).
قوله عز وجل : إذ همت طائفتان منكم [ آل عمران : ١٢٢ ]
٨٦٤- حدثنا موسى وابن بنت منيع، قالا : حدثنا الحماني، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أبي عون، عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا قال : هم الذين طلبوا الأمان من المشركين(١).
٨٦٥- حدثنا زكريا، قال : حدثنا عمرو، قال : أخبرنا زياد، عن محمد بن إسحاق : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ، الطائفتان : كانتا بني سلمة(٢) من جشم بن الخزرج، وبني حارثة من النبيت، من الأوس، وهما الجناحان(٣).
٨٦٦- حدثنا زكريا، قال : حدثنا إسحاق، قال : أخبرنا روح، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إذ همت طائفتان منكم بنو حارثة كانوا نحو أحد، وبنو سلمة من نحو سلع(٤) »(٥).
قوله عز وجل : أن تفشلا [ آل عمران : ١٢٢ ]
٨٦٧- حدثنا زكريا، قال : حدثنا عمرو، قال : أخبرنا زياد، عن محمد بن إسحاق : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ، أي : أن تخاذلا(٦).
٨٦٨- حدثنا علي بن المبارك، قال : حدثنا زيد، قال : حدثنا ابن ثور، عن ابن جريج : أن تفشلا ، قال آخرون : الفشل : الجبن(٧).
قوله عز وجل : ولله وليهما [ آل عمران : ١٢٢ ]
٨٦٩- حدثنا ابن أبي ميسرة، قال : حدثنا الحميدي، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول : فينا نزلت، بني حارثة وبني سلمة أن تفشلا والله وليهما ، وما أحب أنها لم تنزل لقوله : والله وليهما (٨).
٨٧٠- حدثنا زكريا، قال : حدثنا عمرو، قال : أخبرنا زياد، عن محمد بن إسحاق : والله وليهما : أي الدافع عنهما ما أهما به من فشلهما. وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، من غير شك في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما(٩).
قوله عز وجل : وعلى الله فليتوكل المؤمنون
[ آل عمران : ١٢٢ ]
٨٧١- حدثنا زكريا، قال : حدثنا عمرو، قال : أخبرنا زياد، عن محمد بن إسحاق : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا حتى قوله والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون . قال : وذلك عن غير شك، في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما، برحمته وعائدته، حتى سلما. أظنه قال : من وهنهما، وضعفهما، ولحقتا بنبيهما صلى الله عليه و سلم يقول الله : وعلى الله فليتوكل المؤمنون . أي : من كان به ضعف من المؤمنين، أو وهن فليتوكل علي، وليستعن بي أعنه على أمره، وأدفع عنه حتى أبلغ به، وأثوبه على نيته(١٠).

١ - أخرجه ابن أبي حاتم (٣/٧٤٩ رقم ٤٠٧٤)..
٢ - بنو سلمة (بفتح السين وكسر اللام) وليس سلمة بكسر اللام غيرها وسائرها بفتح اللام وبنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جشم بن الخزرج..
٣ - سيرة ابن هشام (٢/١٠٦) وأخرجه ابن جرير (٧/١٦٧ رقم ٧٧٢٦)..
٤ - سلع: جبل معروف يقع في الشمال الغربي من المسجد النبوي على بعد كيل أو كيلين منه..
٥ - أخرجه ابن جرير (٧/١٦٦ رقم ٧٧٢٠)..
٦ - سيرة ابن هشام (٢/١٠٦) وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/٧٤٩ رقم ٤٠٧٦)..
٧ - أخرجه ابن جرير (٧/١٦٨ رقم ٧٧٣١) عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: الفشل: الجبن..
٨ - أخرجه البخاري (٤٠٥١) ومسلم(٢٥٠٥)..
٩ - سيرة ابن هشام (٢/١٠٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/٧٤٩ رقم ٧٠٧٨)..
١٠ - سيرة ابن هشام (٢/١٠٦)، وأخرجه ابن جرير (٧/١٦٨ رقم ٧٧٣٢) وابن أبي حاتم (٣/٧٥٠ رقم ٤٠٧٩)..

تفسير ابن المنذر

عرض الكتاب
المؤلف

ابن المنذر

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير