إذ همت بدل من قوله إذ غدوت أو ظرف عمل فيه سميع عليم، ( طائفتان ) يعني بني حارثة وبني أسلمة منكم فيه تعريض على ابن أبيّ أنهم ليسوا منكم ولذا لم يذكر رجوعهم أن تفشلا أي أن تجبنا وتضعفا والله وليهما أي محبهما، أو المعنى عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة، أو المعنى والله ناصرهما ومتولي أمرهما فما لهما تفشلان ولا يتوكلان وعلى الله فليتوكل المؤمنين وتقديم الظرف للحصر يعني فليتوكلوا عليه لا على غيره فلا يفشلوا بفرار المنافقين، عن جابر بن عبد الله قال : فينا نزلت هذه الآية، قالوا : ما سرّنا أنّا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبر الله تعالى أنه وليّنا.
فلما أبوا إلا ذلك صلى الجمعة بالناس فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا ففرح الناس بالشخوص إلى عدوهم وكره ذلك المخرج بشر كثير، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالناس وحضر أهل العوالي ورفعوا النساء في الآطام ودخل بيته ومعه أبو بكر وعمر وقد صف الناس له ما بين حجرته إلى منبره ينتظرون خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال للناس : استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلتم له ما قلتم والوحي ينزل إليه من السماء فردوا الأمر إليه فما أمركم به فافعلوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبس لأمته ولبس الدرع فأظهرها وحزم وسطه بمنطقة من حمائل السيف من أدم واعتمّ وتقلد السيف، وندم الناس على إكراهه فقالوا : يا رسول الله استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، انظروا ما آمركم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم " ووجد مالك بن عمرو النجاري قد مات ووضعوه عند موضع الجنائز فصلى عليه ثم خرج. ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه السكب وتقلد القوس وسعد بن عبادة وسعد بن معاذ وكل منهما دراع والناس عن يمينه وشماله، حتى إذا انتهى إلى رأس الثنية رأى كتيبة خشنا لها رجل فقال : ما هذا ؟ قالوا : هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي من اليهود، فقال : أسلموا ؟ فقيل : لا، فقال : إنا لا نستنصر بأهل الشرك. على أهل الشرك وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فعسكر بالشيخين وهما اطمان، وعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكر، فاستصغر غلمانا فردهم رد سبعة عشر وهم أبناء أربعة عشر وعرضوا عليه وهم أبناء خمسة عشر فأجازهم منهم عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وزيد بدن أرقم والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري وأوس بن ثابت الأنصاري، وأجاز رافع بن خديج بعد الرد لما قيل إنه رام، فقال سمرة بن جندب : أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردني وأنا أصرعه فأعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : تصارعا فصرع سمرة رافعا فأجازه. فلما فرغ العرض وغابت الشمس أذن بلال بالمغرب فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثم أذن بالعشاء فصلى بهم وبات بالشيخين واستعمل على الحرس. تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر، ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان السحر فصلى الصبح ثم قال أين الأدلاء من رجل يخرج بنا من كثب لا يمر بنا عليهم ؟ فقام أبو خيثمة الحارثي فقال : أنا يا رسول الله، فسلك به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قنطي وكان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثو التراب في وجوههم ويقول : إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، وأخذ حفنة من تراب ثم قال : والله لو أعلم أني لا أصيب غيركم لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر، وقد بدر إليه سعد بن زبدة الأشهلي قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس فشجه. وكان رسول الله خرج إلى أحد في ألف رجل وقيل في تسعمائة وخمسين رجلا، فلما بلغوا السوط انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاثمائة وقال : علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال : أنشدكم في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي لو نعلم قتالا لأتبعناكم وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة وفرسه وفرس لأبي بردة وقال ابن عقبة : لم يكن من المسلمين فرس، وهمت بنوا سلمة من الخزرج وبنوا حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكّرهم الله تعالى عظيم نعمته وقال :{ إذ همت طائفتان منكم والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنين
التفسير المظهري
المظهري