ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

المعنى الجملي : لا يزال الحديث مع من شهد أحدا من المؤمنين، فقد أرشدهم الله في الآيات السالفة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة و البلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، و فيه تمحيص لأهل الحق، فإن الشدائد محك الأخلاق، و فيه هدي و إرشاد و تسلية للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز و الظفر في جميع أعمالهم.
و هنا أبان لهم أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر الجهاد في سبيل الله، كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق و سلوك طريق الإنصاف و العدل بين الناس فسنة الله هنا كسنته هناك.
و المؤجل : ذو الأجل و الأجل المدة المضروبة للشيء كما قال : وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا ( الأنعام : ١٢٨ ) ومنه الدين المؤجل الذي ضرب له أجل و مدة يؤدي في نهايتها
وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا أي ليس من شأن النفوس و لا من سنة الله فيها أن تموت بغير إذنه تعالى و مشيئته التي بها يجري نظام الحياة و ترتبط فيها الأسباب بالمسببات وقوله كتابا مؤجلا أي أثبته الله مقرونا بأجل معين لا يتغير و مؤقت بوقت لا يتقدم و لا يتأخر فكثير من الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب أو يتعرضون لعدو الأمراض أويتصدون لأفاعيل الطبيعة و هم مع ذلك لا يصابون بالأذى فالشجاع المقدام قد يسلم في الحرب و يقتل الجبان المتخلف و يفتك المرض بالشاب القوي و يترك الضعيف الهزيل و تغتال عوامل الأجواء الكهل المستوى و تتجاوز الشيخ الضعيف فللأعمارو للآجل أقدار لا تخطوها و الأقدار هي السنن التي عليها تقوم نظم العالم وإن خفيت على بعض الناس و إذا كان محيانا و مماتنا بإذن الله فلا محل للخوف و الجبن و لا عذر في الوهن و الضعف و مما ينسب إلى علي قوله :
أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه و من المقدور لا ينجو الحذر
و في الآية تحرض على الجهاد و تشجيع على لقاء العدو فإنه إذا كان الأجل محتوما و مؤقتا بميقات و أن أحد لا يموت قبل بلوغ اجله و إن خاض المعارك و اقتحم المهالك فلا محل إذا للخوف و الحذر- إلى ما فيها من الإشارة إلى كلاءة الله و حفظه لرسوله مع غلبة العدو له و التفافهم عليه و إسلام قومه له نهزة للمختلس فلم يبق سبب من الهلاك إلا قد حصل و لكن لما كان الله حافظا و ناصرا له لم يضره شيء و فيها إشارة إلى أن قومه قد قصروا في الذب عنه.
و من يرد ثواب الدنيا نؤته منها و من يرد ثواب الآخرة نؤته منها أي و من قصد بعمله حظ الدنيا أعطاه الله شيئا من ثوابها و من قصد الآخرة أعطاه الله حظا من ثوابها
و في معنى الآية الحديث " إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى "...
و فيها تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد فتركوا موقعهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بلزومه و كأنه يقول لهم إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك و ما عليكم إلا أن تسلكوا سبيله و لكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بل يدعوكم إلى خير ترون حظا منه في الدنيا و المعول عليهما في الآخرة.
فأنتم بين أمرين : إما إرادة الدنيا و إما أرادة الآخرة و لكل منهما سنن تتبع و طرق تسلك و في معنى الآية قوله تعالى : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ( الشورى : ٢٠ ).
و من هدي الإسلام أن يطلب المرء بعمله خيري الدنيا و الآخرة معا و يقول : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ( البقرة : ٢٠١ ) و الله يعطيه كل ما يطلب أو بعضه بحسب سنن الله و تدبيره لنظم الحياة.
و على الإنسان أن يعلم أن له طورين :
( ١ ) طور عاجل قصير و هو طور الحياة الدنيا.
( ٢ ) طور آجل أبدي و هو طور الحياة الآخرة.
و سعادته في كل من الطورين مرتبطة بإرادته و ما توجهه إليه من العمل فالناس إنما يتفاضلون بالإرادات و المقاصد : فقوم يحاربون حب في الربح و الكسب أو ضراوة بالفتك و القتل فإذا غلبوا أفسدوا في الأرض و أهلكوا الحرث و النسل وقوم يحاربون دفاعا عن الحق وإقامة لقوانين العدل فإذا غلبوا عمروا الأرض و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر فهل يستوي فريقان وهما في المقصد مفترقان ؟ كذلك يطلب الرجل الربح و الكسب أحيانا بكل وسيلة مستطاعة للذاته و الحصول على شهواته فيغلوا في الطمع و يمعن في الحيل و لا يبالي أمن من الحرام أكل أم من الحلال ؟ يأكل الريا أضعافا مضاعفة فيجمع القناطير المقنطرة و هو مع ذلك يمنع الماعون و لا يحض على طعام المسكين ولو سئل البذل في المصالح العامة كان أشد الناس بخلا و أقبضهم كفا بينا يطلب آخر الكسب طلبا للتجمل و حبا للكرامة في قومه و عشيرته فيقتصد في الطلب و يتحرى الربح الحلال و يلتزم الصدق و الأمانة و يبتعد عن الفسوق و الخيانة و هو مع هذا ينفق مما أفاء الله به عليه فيواسي البائسين و يساعد المعوزين و تكون له اليد الطولى في الأعمال النافعة لأمته فيشيد لها المدارس و المعابد و الملاجئ و المستشفيات فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية و هل هما في القرب عند الله بمنزلة واحدة أو يفضل أحدهما الآخر بحسن القصد و الإرادة و الميل إلى الخير و حب المصلحة العامة.
و قصارى القول : إن أقدار الرجال تتفاوت و تختلف باختلاف إرادتهم فبينما تتسع دائرة و جود الشخص بحسب كبر إرادته و سعة مقصده فتحيط بالكرة الأرضية بل فوق ذلك يما يكون له من الكرامة في العالم العلوي – إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا أخلد إلى الشهوات و ركن إلى اللذات فيكون حظه عن علمه كحظ الحشرات يأكل و يشرب و يبغي على الضعيف و يخاف من القوي.
و الله قد جعل عطاءه للناس معلقا على إرادتهم و لا يقدر مثل هذا إلا القليل منهم.
و سنجزي الشاكرين الذين يعرفون أنعم الله عليهم و يستعملونها فيما يرقى بهم إلى مراقي الكمال فيعملون صالح الأعمال التي ترفع نفوسهم و تنفع أمتهم كأنس بن النضر و أمثاله الذين جاهدوا و صبروا مع النبي صلى الله عليه و سلم بما كان لهم من الإرادة القوية التي كانت السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين.
و بعد أن ضرب الله تعالى لهم المثل في أنفسهم بأنهم كانوا قبل الموقعة يتحرقون شوقا إلى لقاء العدو ثم أصابهم ما أصابهم عند لقائه –ضرب لهم المثل بغيرهم من أتباع الأنبياء السالفين وربييهم الذين لم يلحقهم و هن و لا ضعف بعد قتل أنبيائهم بل صبروا و احتملوا الإيذاء حتى تغلب الحق على الباطل.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير