قل أؤنبئكم بخير من ذلكم المذكورات، فيه توبيخ للكفار وإشارة إلى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متردد في أن ينبئهم شفقة عليهم وامتثالا لأمر الله تعالى، أو لا ينبئهم لملاحظة بعدهم عن قبول الحق وتقرير لما سبق إليه الإشارة من أن ثواب الله خير من مستلذات الدنيا.
للذين اتقوا عند ربهم جنات مبتدأ والظرف خبر مقدم عليه والجملة استئناف لبيان ما هو خير، ويجوز أن يكون الظرف متعلقا بخير أو يكون ظرفا مستقرا صفة لخير، واختصاص المتقين لأنهم هم المنتفعون به. وجنات خبر مبتدأ محذوف أي هو جنات تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات خالدين فيها أي مقدرين الخلود فيها إذ دخلوها. وأزواج مطهرة مما يستقذر من النساء كالحيض و النفاس والبول و الغائط
ورضوان من الله قرأ أبو بكر عن عاصم بضم الراء في جميع القرآن غير الحرف الثاني في المائدة ورضوانه سبل السلام و الباقون بالكسر وهما لغتان كالعدوان والعدوان. قيل ذكر الله سبحانه من جنس ما يشتهونه الجنات التي هي من جنس الحرث و الأزواج المطهرة التي هي من جنس النساء، ولم يذكر البنين لأن المقصود منهم في الدار الفانية إلا ***عانة وبقاء النوع، ولا الخيل ولا الأنعام ولا الذهب والفضة لأنهم مستغنون عن مشاق ركوب الخيل والأنعام لنيل المقاصد وعن البيع والشراء المحوج إلى الأثمان وزاد لهم ما لا زيادة عليه وهو رضوان الله، ونكر الرضوان إشارة إلى أنه أمر لا يحيط العلم بإدراكه. عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة : فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " ١ متفق عليه، وعندي أن ذكر الجنات واقع في مقابلة جميع ما يشتهونه لقوله تعالى : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ٢ فإن الأبناء والأقارب كلهم يجتمعون في الجنة ويدوم لقاؤهم أبدا قال الله تعالى : ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ٣ وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لأهل الجنة ؟ فقال :" المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي " ٤ رواه الترمذي وحسنه والبيهقي وهناد في الزهد عن أبي سعيد والحاكم في التاريخ والأصبهاني في الترغيب، وأما قناطير الذهب والفضة " فإن الله تعالى خلق الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك " ٥ رواه البزار والطبراني والبيهقي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث المرفوع " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما " ٦ متفق عليه من حديث أبي موسى. وأما الخيل والأنعام فقد قال أعرابي : يا رسول الله إني أحب الخيل أفي الجنة خيل ؟ قال :" إن دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوت له جناحان فحملت عليه ثم طار بك حيث شئت " ٧ رواه الترمذي عن أبي أيوب، وروى الترمذي والبيهقي نحوه عن بردة مرفوعا والطبراني والبيهقي بسند جيد عن عبد الرحمن بن ساعدة مرفوعا، وأخرج ابن المبارك عن شفي بن مانع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من نعيم الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والبخت وأنهم يؤتون في يوم الجمعة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله " وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والأصفهاني عن علي مرفوعا قال :" إن في الجنة شجرة تخرج من أعلاها حلل ومن أسفلها خيل بلق من ذهب سرجها وزمامها الدر والياقوت وهن ذوات الأجنحة خطوّها مد البصر لا تروث ولا تبول فيركبها أولياء الله فيطير بهم حيث شاؤوا، فيقول الذين أسفل منهم : قد أطفأوا نورنا من هؤلاء ؟ فقال إنهم كانوا ينفقون وكنتم تبخلون وكانوا يقاتلون وكنتم تجلسون " وأخرج ابن المبارك عن ابن عمر " إن في الجنة عتاق الخيل وكرام النجائب يركبها أهلها " وأخرج ابن وهب عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ أدنى أهل الجنة منزلة يركب في ألف ألف من خدم من الوالدان المخلدين على خيل من ياقوت أحمر لها أجنحة من ذهب " وأما الحرث فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له : ألست فيما شئت، قال :" بلى ولكني أحب أن أزرع، قال : فيزرع فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى : دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء " ٨ وأخرج الطبراني وأبو الشيخ نحوه وفيه " حتى تكون سنبلة اثنا عشر ذراعا ثم لا يبرح مكانه حتى يكون منه ركام أمثال الجبال ".
ولعل وجه تخصيص الأزواج من بين نعيم الجنة بالذكر إما شدة ما كان بالعرب من شهوة النساء وإما أن الأزواج تكون لكل من يدخل الجنة أجمعين، وأما البنون ونحو ذلك فلمن كان له بنون في الدنيا أو لمن يشتهيهم فيها وهم لا يشتهون ذلك غالبا لما روي عن أبي سعيد أنه " إذا اشتهى المؤمن في الجنة الولد كان في ساعة ولكن لا يشتهي " ٩ رواه الترمذي والدرامي، يعني لا يشتهي غالبا جمعا بين الروايات، وذكر الله سبحانه ما زاد على نعماء الدنيا ولا مزيد عليه وهو رضوان الله فإنه هو الفارق البائن بين نعماء الدنيا ونعماء الجنة " فإن الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ما ابتغى به وجه الله عز وجل " وفي رواية " إلا ذكر الله وما والاه أو عالما ومتعلما " ١٠ رواه الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود وفي الصغير عن أبي الدرداء وابن ماجه عن أبي هريرة. وأما نعماء الجنة فهي مرضيات لله تعالى. عن ربيعة الحرسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قيل لي في المنام : سيد بنى دارا وصنع مأدبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد، قال : والله سيد ومحمد الداعي و الدار الإسلام و المأدبة الجنة " ١١ رواه الدرامي. قلت : والسر في أن نعيم الدنيا غير مرضية لله تعالى لا ينبغي أن يلتفت إليهما قال الله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ١٢ ونعيم الجنة مرضية لله تعالى ممدوح من يطمع فيها قال الله تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ١٣ أن مبادئ تعينات النشئة الدنيوية غالبا هي الإعدام التي تقررت في مرتبة العلم واستضاءت بالتقابل بعكوس نقائضها التي هي صفات الكمال لله تعالى، كالجهل في مقابلة العلم والعجز في مقابلة القدرة ونحو ذلك، وسميت ظلالا ولأجل ذلك يسرع الفناء إلى هذه النشئة والعدم في نفسه شر محض لا نصيب له من الحسن والجمال والخير والكمال إلا بالتمويه بخلاف النشئة الأخروية، فإن مبادئ تعيناتها إنما هي صفات الله تعالى الحسناء فحبها حب الله تعالى والانشغاف بها الانشغاف به تعالى، كذا ذكر المجدد رضي الله عنه في سر محبة يعقوب عليه السلام مع أن الأنبياء بل الأولياء لا يلتفتون إلى غير الله سبحانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " ١٤ رواه مسلم، قال المجدد رضي الله عنه : وذلك أن حسن يوسف عليه السلام كان من جنس حسن أهل الجنة فكان حبه و العشق به حب الله تعالى وعشقه والله بصير بالعباد هذا الكلام في مقام التعليل لما سبق، و اللام إما للاستغراق أي بصير بجميع العباد محسنهم ومسيئهم فيجازيهم على حسب ما عملوا، وإما للعهد يعني بصير بالذين اتقوا ولذا أعدّ لهم الجنات.
٢ سورة الزخرف، الآية: ٧١..
٣ سورة الطور، الآية: ٢١..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة (٢٥٦٣).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: صفة الجنة (٤٣٣٨)..
٥ ورد عند الترمذي وقال: ليس إسناده بالقوي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة الجنة ونعيمها (٢٥٢٦).
وعند البزار والطبراني في الأوسط رجاله رجال الصحيح انظر مجمع الزوائد في كتاب: أهل الجنة، باب: في بناء الجنة وصفتها (١٨٦٣٧)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله ومن دونهما جنتان (٤٨٧٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى: (١٨٠)..
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة خيل الجنة (٢٥٤٤) وقال: ليس إسناده بالقوي..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب مع أهل الجنة (٧٥١٩)..
٩ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة (٢٥٦٣) وقال: حسن غريب..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل: (٢٣٢٢) وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: مثل الدنيا (٤١١٢)..
١١ أخرجه الدرامي في المقدمة، باب: صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب قبل مبعثه (١١)..
١٢ سورة طه، الآية: ١٣١..
١٣ سورة المطففين، الآية: ٢٦..
١٤ أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (٢٣٨٣)..
التفسير المظهري
المظهري