ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

ثم نبه الحق تعالى على ما هو المقصود الأهم لمن له عقل وافر، فقال :
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذالِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ
قلت : للذين : خبر، و جنات : مبتدأ، وهو استئناف لبيان الخيرية، والرضوان فيه لغتان : الضم والكسر، كالعدوان والطغيان.
يقول الحق جلّ جلاله : قل يا محمد : أأخبركم بخير من الذي ذكرتُ لكم من الشهوات الفانية واللذات الزائلة، وهو ما أعد الله للمتقين عند لقاء ربهم، وهو جنات تجري من تحت قصورها الأنهار ؛ من الماء واللبن والعسل والخمر، خالدين فيها ، لا كنعيم الدنيا الفاني، ولهم فيها أزواج من الحور العين، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات، ورضوان من الله الذي هو أكبر النعم.
فانظر : كيف ذكر الحقّ - جلّ جلاله - أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه ؟ فأدناه : متاع الدنيا الذي زُين للناس، وأوسطه : نعيم الجنان، وأعلاه : رضى الرحمان، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم :" يَقُولُ الله تعالى لأهِل الْجنَّةِ : يَا أهْلَ الجَنَّةِ، فيقول أهْلُ الجَنَّةِ : لَبيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْك، والخير في يديك، فيقول : هَلْ رضِيتُم ؟ فَيَقُولُونَ : مَالنَا لاَ نَرْضى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا ما لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ العالمين، فَيَقُولُ : ألا أعْطِيكُم أَفْضَلَ من ذلك ؟ فيقُولون : يا ربنا، وأيُّ شَيء أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قال : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُم َبَداً ".
والله بصير بالعباد ؛ لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو : بصير بأحوال المتقين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : للذين اتقوا شهودَ السّوى عند ربهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وأصناف الحكم، مطهرة من العلل، منزهة من الخلل، تهب عليهم نسيم الرضوان، تحمل الرَّوُحَ والريحان، مخلدون في نعيم الشهود والعيان، والله بصير بعباده المخلصين، المنزَّهين من العيوب، المبرئين من درن الذنوب، الصابرين على دوام المجاهدة، والصادقين في طلب المشاهدة، والقانتين لأحكام العبودية، والمنفقين أنفسَهُمْ ومُهَجَهم في طلب مشاهدة أنوار الربوبية، والمستغفرين من شهود الأغيار، وخصوصاً إذا هبّ نسيم الأسحار، فإن كثيراً من العباد والزهاد شغلتهم حلاوة نسيم الأسحار عن مطالعة أسرار الجبار، وهي أسرار التوحيد التي أشار إليها بقوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير