ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

الربع الأول من الحزب السادس
في المصحف الكريم
ما يلاحظ القارئ المنتبه أن أول آية في هذا الربع وهي قوله تعالى قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ . إلى آخر الآية، مرتبطة كل الارتباط ومتناسبة كل التناسب، مع آخر آية وردت في الربع الماضي الذي تناولناه بالأمس، وهي قوله تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فهاهنا نجد القرآن الكريم يسجل حقيقة طبيعية فطر الله عليها البشر، ألا وهي حبهم للشهوات وميلهم إليها، فهذه غريزة غرزها الله في طبع الإنسان، إغراء له، من جهة، على تحقيق المخطط الإلهي الحكيم، ودفعا له، من جهة أخرى، إلى إبراز شخصيته المتميزة الخاصة على وجه سليم، وبذلك لا يتنكر الإسلام لشهوات الإنسان المجبول على حبها، ولا يزدريها فضلا عن أن يطاردها، وإنما يتدخل الإسلام لإحاطتها بما يلزم لها من التهذيب، حتى لا تكون شهوات وحشية، وبما يلزم لها من الضبط، حتى لا تبقى شهوات فوضوية.
وهذه الشهوات القوية في نفس الإنسان العادي هي شهوة النساء اللاتي يوفرن لأزواجهن جوا من المودة والرحمة والاستقرار.
وشهوة البنين الذين هم زينة البيوت، وعصارة الأعصاب، ولباب الجهود، وثمرة الحياة بالنسبة للوالدين، والخلف الصالح، والذكرى الطيبة التي تبقى من بعدهما شاهدا ناطقا على مرورهما بموكب الأحياء.
وشهوة المال الذي هو أكبر وسيلة لقضاء الحاجات، وستر العورات، وتوفير أنواع الشهوات بما فيها شهوة البر وإسداء المعروف وعمل الخير، وهاهنا وقع اختيار التعبير القرآني على كلمة ( القناطير المقنطرة ) إشارة إلى أن النهم إلى المال لا يقف في الإنسان العادي عند حد، مادام هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى جميع الشهوات، ومادامت الشهوات كلها تتوقف عليه، ولا تتم إلا عن طريقه بدءا وختاما.
ثم شهوة الخيل المسومة التي تستهوي ما لا يحصى من البشر في مختلف العصور، والتي احتفظت بقوة إغرائها وجاذبيتها حتى بين أرقى الأمم وأكثرها حضارة وغنى، فضلا عما دونها، فتقام لها الملاعب، وتنظم لها أسواق الرهان، ويبذل فيها من الأموال الطائلة ربحا وخسارة ما تسير بذكره الركبان.
وشهوة الأنعام والحرث المتلازمين ملازمة الظل لصاحبه، فهذه الشهوة ترضي من حاجات الإنسان وغرائزه ما لا يتصور بدونه وجود ولا نماء، بل أن قوام حياته متوقف عليها كل التوقف ومرتبط بها كل الارتباط.
وقد عبر كتاب الله عن هذه الشهوات جميعا بأنها متاع الحياة الدنيا . وإذن فلا متاع في هذه الحياة دون الحصول على القدر الضروري والحد الأدنى منها، وإذن فلا حرج في حصول الإنسان على متاعه الضروري منها كما قال تعالى : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا .
وكل ما هنالك أن الله تعالى الذي خلق لعباده ما في الأرض جميعا، ودعاهم إلى تناول الطيبات من الرزق يعرض على المؤمنين من عباده أنواعا ألذ وأبقى، وأدوم وأخلد، من شهوات الدنيا جميعا، ويعلمهم أن في استطاعتهم أن يستمتعوا بها أيضا في الحياة الآخرة، إذا ما أعدوا أنفسهم لها، ولم يقصروا اهتمامهم على شهوات الحياة الدنيا وحدها، فانهمكوا فيها وتهالكوا عليها دون حساب، وهذا هو معنى قوله تعالى وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ .



قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ . أي هل أخبركم بما هو أفضل من شهوات الدنيا كلها لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ( ١٥ ) .
والواقع الذي يؤكده الإيمان الصحيح أن حياة الإنسان تمر بمرحلتين اثنتين :
المرحلة الأولى : مرحلة الحياة الدنيا، والله تعالى بسط مائدته فيها لعباده جميعا يتناولون منها ما يحفظ وجودهم، ويضمن بقاءهم واستمرارهم إلى اليوم الموعود.
والمرحلة الثانية : مرحلة الحياة الآخرة، والله تعالى أعد فيها للمؤمنين من عباده نعما أجل وأكمل، وادخر لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجعل نعمه عليهم فيها غير محدودة ولا منتهية.
وهاهنا تولت الآيات الكريمة عرضا لشهوات الدنيا، ثم أتبعته بوصف موجز لنعم الآخرة، والفرق بين الاثنين هو أن نساء الآخرة على خلاف نساء الدنيا ( أزواج مطهرة ) لا يصيبهن أي عارض يتنافى مع الطهر، ثم إن الآخرة لا تتوقف المتعة فيها على المال الذي هو الوسيلة الوحيدة في الدنيا للاقتناء والانتفاع، إذ أن أرزاقها وخيراتها ملك مشاع لجميع المتقين، ولذلك لم يذكر بين نعيمها لا ذهبا ولا فضة ولا قناطير مقنطرة، وإذا كانت مزارع الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الحرث والحيوانات المساعدة عليه، فإن الجنات التي أعدها الله لعباده في الآخرة لا تتوقف على الحرث ولا على الحيوان المساعد فيه، بل هي هبة من الله خالصة للمؤمنين دون كد ولا تعب، ولا توقيت بموسم خاص.
وفوق هذا كله ففي الآخرة نعمة هي أجل النعم وأكبرها جميعا، لأنها تفوق جميع نعم الدنيا، وتفضل جميع نعم الآخرة الأخرى، ألا وهي نعمة ( رضوان الله ) الذي يخلع حلته على المقبولين الرضيين من عباده ( ورضوان من الله أكبر ) وهذه النعمة تتضمن كامل الإحسان وعظيم الامتنان، على من أكرمه الله بها من بني الإنسان، وترشحه للنظر إلى الملك الديان، بالإضافة إلى الخلود في نعيم الرحمان رَبَّنَا آتِنَا فِي الدَّنيّا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار( ١٦ ) .
فهاهنا نجد القرآن الكريم يسجل حقيقة طبيعية فطر الله عليها البشر، ألا وهي حبهم للشهوات وميلهم إليها، فهذه غريزة غرزها الله في طبع الإنسان، إغراء له، من جهة، على تحقيق المخطط الإلهي الحكيم، ودفعا له، من جهة أخرى، إلى إبراز شخصيته المتميزة الخاصة على وجه سليم، وبذلك لا يتنكر الإسلام لشهوات الإنسان المجبول على حبها، ولا يزدريها فضلا عن أن يطاردها، وإنما يتدخل الإسلام لإحاطتها بما يلزم لها من التهذيب، حتى لا تكون شهوات وحشية، وبما يلزم لها من الضبط، حتى لا تبقى شهوات فوضوية.
وهذه الشهوات القوية في نفس الإنسان العادي هي شهوة النساء اللاتي يوفرن لأزواجهن جوا من المودة والرحمة والاستقرار.
وشهوة البنين الذين هم زينة البيوت، وعصارة الأعصاب، ولباب الجهود، وثمرة الحياة بالنسبة للوالدين، والخلف الصالح، والذكرى الطيبة التي تبقى من بعدهما شاهدا ناطقا على مرورهما بموكب الأحياء.
وشهوة المال الذي هو أكبر وسيلة لقضاء الحاجات، وستر العورات، وتوفير أنواع الشهوات بما فيها شهوة البر وإسداء المعروف وعمل الخير، وهاهنا وقع اختيار التعبير القرآني على كلمة ( القناطير المقنطرة ) إشارة إلى أن النهم إلى المال لا يقف في الإنسان العادي عند حد، مادام هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى جميع الشهوات، ومادامت الشهوات كلها تتوقف عليه، ولا تتم إلا عن طريقه بدءا وختاما.
ثم شهوة الخيل المسومة التي تستهوي ما لا يحصى من البشر في مختلف العصور، والتي احتفظت بقوة إغرائها وجاذبيتها حتى بين أرقى الأمم وأكثرها حضارة وغنى، فضلا عما دونها، فتقام لها الملاعب، وتنظم لها أسواق الرهان، ويبذل فيها من الأموال الطائلة ربحا وخسارة ما تسير بذكره الركبان.
وشهوة الأنعام والحرث المتلازمين ملازمة الظل لصاحبه، فهذه الشهوة ترضي من حاجات الإنسان وغرائزه ما لا يتصور بدونه وجود ولا نماء، بل أن قوام حياته متوقف عليها كل التوقف ومرتبط بها كل الارتباط.
وقد عبر كتاب الله عن هذه الشهوات جميعا بأنها متاع الحياة الدنيا . وإذن فلا متاع في هذه الحياة دون الحصول على القدر الضروري والحد الأدنى منها، وإذن فلا حرج في حصول الإنسان على متاعه الضروري منها كما قال تعالى : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا .
وكل ما هنالك أن الله تعالى الذي خلق لعباده ما في الأرض جميعا، ودعاهم إلى تناول الطيبات من الرزق يعرض على المؤمنين من عباده أنواعا ألذ وأبقى، وأدوم وأخلد، من شهوات الدنيا جميعا، ويعلمهم أن في استطاعتهم أن يستمتعوا بها أيضا في الحياة الآخرة، إذا ما أعدوا أنفسهم لها، ولم يقصروا اهتمامهم على شهوات الحياة الدنيا وحدها، فانهمكوا فيها وتهالكوا عليها دون حساب، وهذا هو معنى قوله تعالى وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ .
فهاهنا نجد القرآن الكريم يسجل حقيقة طبيعية فطر الله عليها البشر، ألا وهي حبهم للشهوات وميلهم إليها، فهذه غريزة غرزها الله في طبع الإنسان، إغراء له، من جهة، على تحقيق المخطط الإلهي الحكيم، ودفعا له، من جهة أخرى، إلى إبراز شخصيته المتميزة الخاصة على وجه سليم، وبذلك لا يتنكر الإسلام لشهوات الإنسان المجبول على حبها، ولا يزدريها فضلا عن أن يطاردها، وإنما يتدخل الإسلام لإحاطتها بما يلزم لها من التهذيب، حتى لا تكون شهوات وحشية، وبما يلزم لها من الضبط، حتى لا تبقى شهوات فوضوية.
وهذه الشهوات القوية في نفس الإنسان العادي هي شهوة النساء اللاتي يوفرن لأزواجهن جوا من المودة والرحمة والاستقرار.
وشهوة البنين الذين هم زينة البيوت، وعصارة الأعصاب، ولباب الجهود، وثمرة الحياة بالنسبة للوالدين، والخلف الصالح، والذكرى الطيبة التي تبقى من بعدهما شاهدا ناطقا على مرورهما بموكب الأحياء.
وشهوة المال الذي هو أكبر وسيلة لقضاء الحاجات، وستر العورات، وتوفير أنواع الشهوات بما فيها شهوة البر وإسداء المعروف وعمل الخير، وهاهنا وقع اختيار التعبير القرآني على كلمة ( القناطير المقنطرة ) إشارة إلى أن النهم إلى المال لا يقف في الإنسان العادي عند حد، مادام هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى جميع الشهوات، ومادامت الشهوات كلها تتوقف عليه، ولا تتم إلا عن طريقه بدءا وختاما.
ثم شهوة الخيل المسومة التي تستهوي ما لا يحصى من البشر في مختلف العصور، والتي احتفظت بقوة إغرائها وجاذبيتها حتى بين أرقى الأمم وأكثرها حضارة وغنى، فضلا عما دونها، فتقام لها الملاعب، وتنظم لها أسواق الرهان، ويبذل فيها من الأموال الطائلة ربحا وخسارة ما تسير بذكره الركبان.
وشهوة الأنعام والحرث المتلازمين ملازمة الظل لصاحبه، فهذه الشهوة ترضي من حاجات الإنسان وغرائزه ما لا يتصور بدونه وجود ولا نماء، بل أن قوام حياته متوقف عليها كل التوقف ومرتبط بها كل الارتباط.
وقد عبر كتاب الله عن هذه الشهوات جميعا بأنها متاع الحياة الدنيا . وإذن فلا متاع في هذه الحياة دون الحصول على القدر الضروري والحد الأدنى منها، وإذن فلا حرج في حصول الإنسان على متاعه الضروري منها كما قال تعالى : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا .
وكل ما هنالك أن الله تعالى الذي خلق لعباده ما في الأرض جميعا، ودعاهم إلى تناول الطيبات من الرزق يعرض على المؤمنين من عباده أنواعا ألذ وأبقى، وأدوم وأخلد، من شهوات الدنيا جميعا، ويعلمهم أن في استطاعتهم أن يستمتعوا بها أيضا في الحياة الآخرة، إذا ما أعدوا أنفسهم لها، ولم يقصروا اهتمامهم على شهوات الحياة الدنيا وحدها، فانهمكوا فيها وتهالكوا عليها دون حساب، وهذا هو معنى قوله تعالى وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير