وفي هذه الآيات :
١ ـ تحذير للمؤمنين بأن لا يكونوا كالكفار الذين ينسون الله وقضاءه وحكمته ويقولون لمن يخرج غازيا أو سائحا أو تاجرا فيموت أو يقتل : إنه لو لم يخرج لما مات أو قتل.
٢ ـ وتقرير بأنه ليس من وراء مثل هذه الأقوال إلا الحسرة، وليست هي من الحق والحقيقة والإيمان في شيء. فالمحيي والمميت هو الله، ولكل نفس أجل معين لا تتقدم ولا تتأخر عنه.
٣ ـ وتنبيه للمؤمنين بأن من الواجب عليهم أن يعلموا بالإضافة إلى ما تقدم أن القتل والموت في سبيل الله ليسا مصيبة تستوجب الحسرة والجزع، وأن فيهما من مغفرة الله ورحمته ما يفوق كل ما يجمعه الجامعون من حطام الدنيا وأيامها. وأن مصير الناس إلى الله في كل حال ولا معدى عن ذلك سواء أماتوا موتا طبيعيا أم ماتوا قتلا.
تعليق على الآية
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أوْ كَانُوا غُزًّى... الخ
والآيتين التاليتين لها
والآيات كذلك استمرارا للآيات السابقة سياقا وموضوعا وهدفا، وجمهور المفسرين١ يقولون : ومنهم من يعزو القول إلى تابعين وتابعي تابعين أن المراد من جملة الذين كفروا هم المنافقون، ومنهم من يخص بالذكر كبيرهم عبد الله بن أبي. وفي آية تأتي بعد قليل نسب مثل هذا القول إلى المنافقين صراحة حيث يكون صرف الكلام إلى المنافقين هنا في محله. وفحوى الآية الأولى يدل على أن هذا القول مما كان يصدر من المنافقين قبل وقعة أحد وكلما مات أو قتل أحد من أقاربهم ومعارفهم في غزوة أو سفرة في سبيل الله وطاعته، إما على سبيل الشماتة أم على سبيل التعطيل والصد، ويدل كذلك على صحة ما قلناه قبل قليل من أن المتذمرين الذين حكت الآية [ ١٥٤ ] أقوالهم ومن جملتها لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا هم من المؤمنين المخلصين، وقد وجه الكلام في هذه الآيات إليهم على سبيل التأنيب والعظة ومعالجة الحالة الروحية التي ألمت بهم نتيجة لآلام الوقعة ووسوسة المنافقين.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فهي كسابقتها مستمرة التلقين لكل مسلم في كل ظرف بوجوب عدم التشبه بالكفار والمنافقين والاندماج في دسائسهم والاستماع إلى وساوسهم المؤدية إلى الانحراف عن الإخلاص لله تعالى والجهاد والتضحية في سبيله. ومن شأنها أن تمد المؤمن المخلص بالصبر والرضا والتسليم لحكمة الله والجرأة والإقدام، وإيثار ما عند الله على حطام الدنيا ومتاعها.
التفسير الحديث
دروزة