قوله وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين خاصة، لأنهم إن ماتوا في سبيل الله أوم قتلوا فإنهم يصيرون إلى مغفرة ورحمة، وذلك خير مما يجمع المنافقون هذا على قراءة من قرأ يجمعون بالياء. ومن قرأ بالتاء، رده على المخاطبة، وأن المغفرة والرحمة خير مما تجمعون أيها المؤمنون من حطام الدنيا الذي يمنع من الجهاد.
وقال ابن اسحاق معناها: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله خير لو علموا وأيقنوا. وتأويل الكلام: ليغفرن الله لكم وليرحمنكم. ثم أعلمهم أن الرجوع إليه في كل حال من موت، أو قتل فقال: وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ وهذا الأمر خطاب للمؤمنين والمشركين أعلمهم أن مصير الجميع إليه، فيجازي كل صنف بعمله.
قوله: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ الآية.
هذا خطاب للنبي ﷺ، والمعنى: فبرحمة من الله لنت للمؤمنين حتى آمنوا بك فسهلت عليهم الأمر، وبينت لهم الحجج، وحسنت خلقك، وصبرت على الأذى وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ أي: لتركوك فاعف عَنْهُمْ أي: تجاوز عنهم، واصفح فيما نالك منهم، ثم قال: واستغفر لَهُمْ أي: ادع ربك لهم بالمغفرة. وقوله وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر أَمَر الله تعالى نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه عند الحرب ولقاء العدو،
وتطييباً لأنفسهم، وتأليفاً لهم على دينهم.
قال أبو اسحاق: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر معناه: ليريهم أنه يستعين بهم، ويسمع من آرائهم، فيكون أطيب لأنفسهم وقد كان عنهم غنياً لتوفيق الله تعالى له بالوحي.
وقيل: إنما أمره بذلك لما فيه من الفضل وليتأسى أمته ﷺ بذلك بعده. روى ابن وهب أن مالكاً قال: ما تشاور قوم قط إلا هُدوا. و " سئل النبي ﷺ عن الحزم فقال " تستشيروا الرجل ذا الرأي ثم تمضي إلى أمرك به " ويقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد رأي. وقال النبي عليه السلام " المستشار بالخيار ما لم يتكلم، فإذا تكلم فحق عليه أن ينصح ".
قال الحسن والله ما تشاور [قوم] قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم.
قال أبو هريرة رضي الله عنهـ: ما رأيت من الناس أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. قال ابن شهاب: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: واستشر في أمرك الذين يخشون الله.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي