بَيْنَ أَنْ يُقَدِّمُوا الْأُسَارَى فَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ تُقْتَلَ مِنْهُمْ عِدَّتُهُمْ، فَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا نَأْخُذُ الْفِدَاءَ مِنْهُمْ، فَنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ، وَنَرْضَى أَنْ يُسْتَشْهَدَ مِنَّا بِعَدَدِهِمْ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عَدَدُ أُسَارَى أَهْلِ بَدْرٍ،
فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أَيْ بِأَخْذِ الْفِدَاءِ وَاخْتِيَارِكُمُ الْقَتْلَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَاصِلًا بِخَلْقِ اللَّهِ وَلَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِيهِ، كَانَ قَوْلُهُ:
مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ كَذِبًا، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْقَوْمَ تَعَجَّبُوا أَنَّ اللَّهَ كَيْفَ يُسَلِّطُ الْكَافِرَ عَلَى الْمُؤْمِنِ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَزَالَ التَّعَجُّبَ بِأَنْ ذَكَرَ أَنَّكُمْ إِنَّمَا وَقَعْتُمْ فِي هَذَا الْمَكْرُوهِ بِسَبَبِ شُؤْمِ فِعْلِكُمْ، فَلَوْ كَانَ فِعْلُهُمْ خَلْقًا لِلَّهِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْجَوَابُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْقَوْمَ قَالُوا: أَنَّى هَذَا، أَيْ مِنْ أَيْنَ هَذَا فَهَذَا طَلَبٌ لِسَبَبِ الْحُدُوثِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْدِثُ لَهَا هُوَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ أَفْعَالِ الْعَبْدِ بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ أَيْ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِكُمْ لَوْ ثَبَتُّمْ وَصَبَرْتُمْ، كَمَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّخْلِيَةِ إِذَا خالفتم وعصيتم، وأحج أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَالُوا: إِنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ شَيْءٌ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى قَادِرًا عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى إِيجَادِهِ، فَلَوْ أَوْجَدَهُ الْعَبْدُ امْتَنَعَ كَوْنُهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى إِيجَادِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْجَدَهُ الْعَبْدُ امْتَنَعَ مِنَ اللَّهِ إِيجَادُهُ، لِأَنَّ إِيجَادَ الْمَوْجُودِ مُحَالٌ/ فَلَمَّا كَانَ كَوْنُ الْعَبْدِ مُوجِدًا لَهُ يُفْضِي إِلَى هَذَا الْمُحَالِ، وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَبْدُ مُوجِدًا له والله أعلم.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ] اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قوله: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ [آل عمران: ١٦٥] فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّهَا أَصَابَتْهُمْ بِذَنْبِهِمْ وَمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا أَصَابَتْهُمْ لِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَتَمَيَّزَ الْمُؤْمِنُ عَنِ الْمُنَافِقِ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ الْمُرَادُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالْجَمْعَانِ: أَحَدُهُمَا: جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالثَّانِي: جَمْعُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ أَبِي سُفْيَانَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَوْلِهِ: فَبِإِذْنِ اللَّهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ إِذْنَ اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ وَتَرْكِ الْمُدَافَعَةِ، اسْتَعَارَ الْإِذْنَ لِتَخْلِيَةِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُمْ لِيَبْتَلِيَهُمْ، لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الشَّيْءِ لَا يَدْفَعُ الْمَأْذُونَ عَنْ مُرَادِهِ، فَلَمَّا كَانَ ترك المدافعة من لوازم الاذن أطلق لفظ الاذن عَلَى تَرْكِ الْمُدَافِعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فَبِإِذْنِ اللَّهِ: أَيْ بِعِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: ٣] أَيْ إِعْلَامٌ، وَكَقَوْلِهِ: آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ [فُصِّلَتْ: ٤٧] وَقَوْلِهِ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٩] وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى العلم. طعن
الْوَاحِدِيُّ فِيهِ فَقَالَ: الْآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمَّا أَصَابَهُمْ وَلَا تَقَعُ التَّسْلِيَةُ إِلَّا إِذَا كَانَ وَاقِعًا بِعِلْمِهِ، لِأَنَّ عِلْمَهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فَاطِرٍ: ١١].
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِذْنِ الْأَمْرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٢] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ/ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالْمُحَارَبَةِ، ثُمَّ صَارَتْ تِلْكَ الْمُحَارَبَةُ مُؤَدِّيَةً إِلَى ذَلِكَ الِانْهِزَامِ، صَحَّ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ أَنْ يُقَالَ حَصَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِذْنِ قَضَاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ وَحُكْمُهُ بِهِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِمَّا أَصَابَهُمْ، وَالتَّسْلِيَةُ إِنَّمَا تَحْصُلُ إِذَا قِيلَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرْضَوْنَ بِمَا قَضَى اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَالْمَعْنَى لِيُمَيِّزَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُقَالُ: نَافَقَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُنَافِقٌ إِذَا أَظْهَرَ كَلِمَةَ الْإِيمَانِ وَأَضْمَرَ خِلَافَهَا، وَالنِّفَاقُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ اخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ عَلَى وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ مِنْ نَافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جُحْرَ الْيَرْبُوعِ لَهُ بَابَانِ: الْقَاصِعَاءُ وَالنَّافِقَاءُ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ خَرَجَ مِنَ الْآخَرِ فَقِيلَ لِلْمُنَافِقِ إِنَّهُ مُنَافِقٌ، لِأَنَّهُ وَضَعَ لِنَفْسِهِ طَرِيقَيْنِ، إِظْهَارَ الْإِسْلَامِ وَإِضْمَارَ الْكُفْرِ، فَمِنْ أَيِّهِمَا طَلَبْتَهُ خَرَجَ مِنَ الْآخَرِ: الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْمُنَافِقُ مِنَ النَّفَقِ وَهُوَ السِّرْبُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَسَتَّرُ بِالْإِسْلَامِ كَمَا يَتَسَتَّرُ الرَّجُلُ فِي السِّرْبِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّافِقَاءِ، لَكِنْ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَهُوَ أَنَّ النَّافِقَاءَ جُحْرٌ يَحْفِرُهُ الْيَرْبُوعُ فِي داخل الأرض، ثم إنه يرقق بما فَوْقَ الْجُحْرِ، حَتَّى إِذَا رَابَهُ رَيْبٌ دَفَعَ التُّرَابَ بِرَأْسِهِ وَخَرَجَ، فَقِيلَ لِلْمُنَافِقِ مُنَافِقٌ لِأَنَّهُ يُضْمِرُ الْكُفْرَ فِي بَاطِنِهِ، فَإِذَا فَتَّشَتْهُ رَمَى عَنْهُ ذَلِكَ الْكُفْرَ وَتَمَسَّكَ بِالْإِسْلَامِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لِأَجْلِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذَا الْعِلْمُ أَذِنَ فِي تِلْكَ الْمُصِيبَةِ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِ اللَّهِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فالمراد هاهنا مِنَ الْعِلْمِ الْمَعْلُومُ، وَالتَّقْدِيرُ: لِيَتَبَيَّنَ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْمُنَافِقِ، وَلِيَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ حَصَلَ الْإِذْنُ فِي تِلْكَ الْمُصِيبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْآيَةِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلِيَعْلَمَ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ وَنِفَاقَ الْمُنَافِقِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَالَ: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَلَمْ يَقُلْ: وَلِيَعْلَمَ الْمُنَافِقِينَ.
قُلْنَا: الِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى تَجَدُّدِهِ، وَقَوْلُهُ: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَى إِيمَانِهِمْ مُتَثَبِّتِينَ فِيهِ، وَأَمَّا نافَقُوا فَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ إِنَّمَا شَرَعُوا فِي الْأَعْمَالِ اللَّائِقَةِ بِالنِّفَاقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ مَنْ هُوَ؟ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ الْأَصَمُّ: إِنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْقِتَالِ. الثَّانِي: رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الله بن أبي بن سَلُولٍ لَمَّا خَرَجَ بِعَسْكَرِهِ إِلَى أُحُدٍ قَالُوا: لِمَ نُلْقِي أَنْفُسَنَا فِي الْقَتْلِ، فَرَجَعُوا وَكَانُوا ثَلَاثُمِائَةً مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ الَّذِينَ خَرَجَ بِهِمْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم عبد الله
ابن عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أَنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكُمْ وَقَوْمَكُمْ عِنْدَ حُضُورِ الْعَدُوِّ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقِيلَ لَهُمْ يَعْنِي قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا يَعْنِي إِنْ كَانَ فِي قَلْبِكُمْ حُبُّ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ فَقَاتِلُوا لِلدِّينِ وَالْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا كَذَلِكَ، فَقَاتِلُوا دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، يَعْنِي كُونُوا إِمَّا مِنْ رِجَالِ الدِّينِ، أَوْ مِنْ رِجَالِ الدُّنْيَا. قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: ادْفَعُوا عَنَّا الْعَدُوَّ بِتَكْثِيرِ سَوَادِنَا إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا مَعَنَا، قَالُوا: لِأَنَّ الْكَثْرَةَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْهَيْبَةِ وَالْعَظَمَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا طَلَبَ الدِّينِ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا بُدَّ وَأَنْ يُقَدِّمَ الدِّينَ عَلَى الدُّنْيَا فِي كُلِّ الْمُهِمَّاتِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُنَافِقُونَ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ لَا يَقْتَتِلَانِ الْبَتَّةَ، فَلِهَذَا رَجَعْنَا. الثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَوْ نَعْلَمُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُسَمَّى قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، يَعْنِي أَنَّ الَّذِي يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لَا يُقَالُ لَهُ قِتَالٌ، وَإِنَّمَا هُوَ إِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ لِأَنَّ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ فِي الْإِقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا كَانَ يَسْتَصْوِبُ الْخُرُوجَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا قَائِمٌ مَقَامَ الْعِلْمِ، وَأَمَارَاتُ حُصُولِ الْقِتَالِ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوْ قِيلَ لِهَذَا الْمُنَافِقِ الَّذِي ذَكَرَ هَذَا الْجَوَابَ:
فَيَنْبَغِي لَكَ لَوْ شَاهَدْتَ مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ فِي الْحَرْبِ أَنْ لَا تَقْدَمَ عَلَى مُقَاتَلَتِهِ لِأَنَّكَ لَا تَعْلَمُ مِنْهُ قِتَالًا، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْجِهَادَ وَاجِبٌ عِنْدَ ظُهُورِ أَمَارَاتِ الْمُحَارَبَةِ، وَلَا أَمَارَاتِ أَقْوَى مِنْ قُرْبِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ عِنْدَ جَبَلِ أُحُدٍ، فَدَلَّ ذِكْرُ هَذَا الْجَوَابِ عَلَى غَايَةِ الْخِزْيِ وَالنِّفَاقِ، وَأَنَّهُ كَانَ غَرَضُهُمْ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْجَوَابِ إِمَّا التَّلْبِيسَ، وَإِمَّا الِاسْتِهْزَاءَ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُنَافِقِ هُوَ الْوَجْهَ الثَّانِيَ فَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا وَعَدَهُمْ بِالنُّصْرَةِ وَالْإِعَانَةِ لَمْ يَكُنِ الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة.
ثم إنه بين حالهم عند ما ذَكَرُوا هَذَا الْجَوَابَ فَقَالَ: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي التَّأْوِيلِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمَا ظَهَرَتْ مِنْهُمْ أَمَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِمْ، فَلَمَّا رَجَعُوا عَنْ عَسْكَرِ الْمُؤْمِنِينَ تَبَاعَدُوا بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ كَوْنُهُمْ مُؤْمِنِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رُجُوعَهُمْ عَنْ مُعَاوَنَةِ الْمُسْلِمِينَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَيْضًا قَوْلُهُمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ إِمَّا عَلَى السُّخْرِيَةِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِمَّا عَلَى عَدَمِ الْوُثُوقِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُفْرٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لِأَهْلِ الْكُفْرِ أَقْرَبُ نُصْرَةً مِنْهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ تَقْلِيلَهُمْ سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ بِالِانْعِزَالِ يَجُرُّ إِلَى تَقْوِيَةِ الْمُشْرِكِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ هَذَا تَنْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ، قَالَ الْحَسَنُ إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَقْرَبُ فَهُوَ الْيَقِينُ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، وَهُوَ مِثْلُ قوله: مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا شَكَّ فِيهَا،
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي