ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ

إشارة إلى ما فضله قبل بقوله: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) الآية.
إن قيل: ما وجه قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عقب هذه الآية؟
قيل: نبّه بذلك أن لم يصبكم ما أصابكم لوهن في دينكم أو ضعف في قدرة الله، فكأنه قيل: هو من عند أنفسكم، لا من خلل دخل في أمره، فإن الله على كل شيء قدير، ومن كان هذه حاله فهو قادرعلى دفاعهم.
قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)
دخول الفاء في قوله: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) لتضمن الذي معنى
الشرط، كأنَّه قيل: إن أصابتكم مصيبة فإصابتها بإذن الله،

صفحة رقم 971

وقد أصابتكم، فإذا كان بإذن الله، وأصل الإِذن العلم بالشيء
من أذنت له، أي استمعت إليه فعلمته، ثم يُقال في التعارف
لمن لا يمنع من فعل شيء مع العلم به، والقدرة عليه على منعه.
سواء أمر به أو لم يأمر: فعل كذا بإذنه، فإذا حُمل على العلم
فنحو قوله: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) وإذا حُمِلَ
على الأمر فليس يعني أنه أمر الكفار بذلك، وإنما عنى أنه أمر
الملائكة المذكورين في قوله: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا).

صفحة رقم 972

إن قيل: وإذا حُمِلَ على الأمر فليس يعني العلم.
فكيف يصح وقد قال بعده: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ)؟
قيل: ليعلم المؤمنين أي ليحصل إيمان المؤمنين، وقد تقدم حقيقة ذلك.
ثم بيّن تعالى ما كان من ذنوبهم، فقال: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) أي استعملوا النفاق في أعمالهم.
ولمّا قيل لهم إمّا أن تحاربوا أو تحضروا مكثّرين للسواد دافعين عن
الحوزة، قالوا مجيبين بما حكي عنهم، وقول السدّي: ادفعوا
بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا، وقول غيره: رابطوا

صفحة رقم 973

بالقيام على الجبل إن لم تقاتلوا، وقول غيرهما: احضروا موضع
الحرب. ليست بأقوال مختلفة في المعنى، كما قدره بعض
النَقَلَة، وإلا ذلك اختلاف عبارات وتعيين أمثلة لمقصد واحد.
وحمل بعض الصوفية ذلك على الجهاد فيَقول: معناه إما أن تبلغوا
منازل الصديقين في مجاهدة وإماتة الشهوات أو ادفعوها عن

صفحة رقم 974

ارتكاب المحارم، وزُفُوها عن احتقاب الماَثم إلط لم تقدروا على
الأول، ثم عيّرهم بقولهم: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)، أي لو
صادفنا من أنفسنا منكرا لارتسمنا ما رسمتم، تنبيهًا أنه خفي عليهم
عيوب أنفسهم، وقوله: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) تنبيه على نفاقهم؛ وذاك أن المنافق كأنه بين الكافر والمؤمن، فإنه من حيث ما يُظهر الشهادتين، ويلتزم ظواهر الشريعة بالقول، وظواهر الأعمال محكوم له بالإِيمان، ومن حيث يتحرى في اعتقاده تحري الكفار كافر، وبين أحوال المنافقين تفاوت، بيّن تعالى بهذا القول أنهم في هذا القول بالكفار أشبه منهم بالمسلمين،

صفحة رقم 975

وأقرب: قيل: هو من القُرب وقيل: من القَرَب من الماءِ.
ثم بيّن تعالى علة قربهم من الكفر، فقال: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، تنبيهاً أن الاعتبار في الإِيمان المستحق به الثواب
بالنيات والضمائر، لا بالأقوال المجردة عن الاعتقاد، ولهذا شهد
للمنافقين في قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) بالكذب، فقال:
(وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وحكم لمن تلفظ
بالكفر من غير مطابقة الاعتقاد له بالإِيمان، فقال: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)، ثم حذّرهم عن اعتقاد غير الحق بقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)،

صفحة رقم 976

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية