(الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا... (١٦٨)
* * *
في هذا النص قولهم بعد انتهاء الحرب، وقد قالوه ليبعثوا الريب في جماهير المؤمنين، وليعلنوا تخلي الله عن نصرتهم، والمعنى: هؤلاء قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم لو أطاعنا المؤمنون ما قتلوا، فقد دعوناهم إلى العودة إلى المدينة والامتناع عن الخروج ولكنهم خالفونا، فانتهوا إلى القتل، فالتقاول كان بين المنافقين أنفسهم، أو نقول: إن
إخوانهم هم ذوو رحمهم وعشائرهم من المؤمنين الذين استشهدوا في أحد، والمعنى على هذا أن الذي فالوه لأجل أو في شأن إخوانهم، فاللام للتعليل وبيان الباعث على القول، فهم لَا يتألمون لإخوانهم وذوي رحمهم، ولكن يلقون باللوم عليهم.
وخلاصة القول: إنهم فرحون بأنهم لم يقتلوا لأنهم لم يخرجوا، ولائمون لمن خرجوا وقتلوا، شامتون فيهم، وهم بهذا يقررون أن موتهم سببه الخروج للقتال، وقد رد الله سبحانه وتعالى ذلك عليهم ببيان أن الموت مكتوب على الإنسان، وتقدر أسبابه، فقد يكون قتال ولا موت، وقد يكون موت من غير قتال، فقال سبحانه: (قلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كنتُمْ صَادِقِينَ).
الفاء هنا هي التي تسمى فاء الإفصاح وهي تفصح عن شرط مقدر، والمعنى: إذا كنتم تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بامتناعكم عن الذهاب إلى الميدان وقعودكم في الديار، فادرءوا أي ادفعوا عن أنفسكم الموت المكتوب الذي لا تفرون منه أبداً وهذا كقوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُروجِ مُّشَيَّدَةٍ...)، والمرمى في هذا النص أنهم يعتقدون أنهم نجوا من الموت بقعودهم، فهل يعتقدون أنهم نجوا منه نهائيا؛. إنه ملاحقهم، وما دام ملاحقهم وهو حقيقة مقررة يثبنها الحس المستمر، فلماذا تفرون من القتال؟ والتعليق في قوله تعالى: (إِن كنتُمْ صَادقِينَ) لإفادة كذب حسهم، وكذب قولهم في زعمهم إن القعود سبب للنجاة، فإن الله سبحانه وتعالى يذكر لهم أنهم إن كانوا صادقين في أن القعود سبب للنجاة فليدفعوا عن أنفسهم الموت، لأن الموت لا يدفعه قعود ولا يستعجله خروج، ولتوضيح هذا الذي نقصده نقول: إن كلام هؤلاء المنافقين ككلام الكافرين الذي حكاه الله تعالى آنفا في قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ...).
وإن هؤلاء قد زعموا أن القعود دافع للموت مانع من نزوله، فإن كان في إمكانهم بقعود أو نحوه أن يدفعوه فليدفعوه إذا جاء إن كانوا صادقين في هذا الزعم الذي زعموه، والمؤدى أن الموت إذا جاء الأجل ليس له من دفاع، فلا ينجي منه القعود، ولا ينزله الخروج، فَزَعمُهُم بأنهم كانوا ينجون لو لم يخرجوا زعم باطل، وإن كانوا صادقين فليدفعوه إذا نزل.
اللهم اجعل لنا في الموت عبرة، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك يارب العالمين.
* * *
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)
* * *
ما زالت النصوص الكريمة في ذكر أعقاب غزوة أُحد التي كانت أبلغ درس إسلامي للغزاة خاصة، وللمؤمنين عامة، وقد كانت المسبار (١) الذي سبرت به النفوس، وتكشفت به قلوب المؤمنين، وأظهرت قلوب المنافقين، ولقد كانت عباراتهم فيها شماتة بأهل الإيمان، وقد بين اللَّه سبحانه وتعالى في هذه الآيات ما ناله أهل الشهادة باستشهادهم، وما هم عليه من روح وريحان، وما يستقبلونه من جنات النعيم، وقد بين في هذه الآيات الكريمة ما أعده الله سبحانه للمؤمنين
________
(١) سبر الجرح: نظر ما غوره، والمسبار ما يسبر به الجرح. الصحاح. والمعنى هنا الكشف عن أغوار النفوس.
المجاهدين الذين استجابوا لله ورسوله من بعد ما أصابهم القرح، من أجر لا يضيع، وعمل صالح يرى، وقول طيب هدوا إليه يسمع، وقد قال تعالى:
صفحة رقم 1501زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة