وقد بين الله سبحانه وتعالى حالهم فقال سبحانه : فرحين بما آتاهم الله من فضله .
أي انهم في هذه الحياة التي يحيونها يشعرون بسعادة عظيمة ؛ لأنهم يرون ثمرات أعمالهم من الجهاد في سبيل الله، ويشعرون برضا الله سبحانه وتعالى، وأنهم في تكريم، وقد آتاهم الله تعالى نعمة الطاعة ونعمة الجهاد، وأشعرهم بالسعادة المطلقة في حياتهم الروحية، ورحابه الكريم. وان الملائكة أولئك الأرواح الطاهرة تحفهم بالتكريم والترحيب، ويروى في ذلك البخاري ان جابرا، قال : لما قتل أبي جعلت أبكي واكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهونني، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" لا تبك، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع"١ فأرواح الشهداء في تكريم من الملائكة الأطهار، والله سبحانه وتعالى يتغمدها برضاه وتقريبها حتى عن النبي صلى الله عليه وسلم ليذكر ان الله تعالى يخاطبها كفاحا، أي مواجهة، وأي تكريم أعلى من ذلك وأسمى ؟ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وإن أرواح الشهداء الأبرار لترضى بجهاد الذين اعقبوهم في الميدان فلم يخلوه، ولذا قال سبحانه : ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
الاستبشار : طلب البشرى هي الأمر الذي يدخل السرور في النفس، لمر كان يتوقع منه مرهوبا او محبوبا فتجئ البشرى بالمحبوب دون المرهوب، وفي بيان استبشار أولئك الشهداء الأبرار تخريجان : أحدهما- ان يكون المراد طلبهم البشرى بأن الذين لم يلحقوا بهم في الاستشهاد وخلفوهم في الميدان، لا خوف عليهم من أن يستمكن العدو منهم ولا ينتصر عليهم، ولاهم في حزن أو غم بسبب انهم لم ينالوا ما يرغبون من نصرة كلمة الحق، ورفع كلمة الدين، فهم على اطلاع بما يجري للمؤمنين، ويريدون ان تجئ إليهم البشرى بالانتصار الباهر، والفوز الظاهر الذي يذهب معه الخزف ويكون بدله المن، ولا يكون حزن من هزيمته، او غم من قرح يصيبهم وتكون كلمة يستبشرون معناها يطلبون البشرى.
التخريج الثاني : ان يكون معنى الاستبشار طلب البشرى ونيلها، فالاستجابة معناها طلب الإجابة ونيلها، والمعنى انهم في سرور وحبور مما آتاهم الله تعالى من فضله، ولنهم جاءتهم البشرى بأن الذين لم يلحقوا بهم في الاستشهاد من غير خوف، ولا رهبة، ولا حزن، بل تلقيا لأسباب المنون بإيمان قوي ؛ لأنها إما الشهادة في عزة وكرامة، وإما الانتصار وإعلاء كلمة الله تعالى.
زهرة التفاسير
أبو زهرة