قوله عز وجل : الذين استجابوا لله والرسول الآية [ آل عمران : ١٧٢ ]
١١٨٤ : حدثنا علي بن المبارك، قال : حدثنا زيد، قال : حدثنا ابن ثور، عن ابن جريج : الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح ، وأخبرت أن أبا سفيان لما راح هو وأصحابه يوم أحد منقلبين، قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : إنهم عائدون إلى المدينة يا رسول الله، قال :«إن ركبوا الخيل، وتركوا الأثقال، فهم عامدوها، وإن جلسوا على الأثقال، وتركوا الخيل، فقد أرعبهم الله، فليسوا بعامديها » فركبوا الأثقال، ثم ندب ناسا يتبعونهم، ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين، أو ثلاثا، ومنهم من يقول : إلى ذي الحُليفة، فلم يقاتلوهم إلا على إثرهم، فنزل : الذين استجابوا لله والرسول (١) حتى أجر عظيم هم أيضا، الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم الآية.
١١٨٥-حدثنا حاتم بن منصور، قال : حدثنا الحميدي، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال : قالت لي عائشة : يا ابن أختي، إني كان أبوك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعتد ما أصابهم القرح : أبو بكر، والزبير بن العوام(٢).
١١٨٦-حدثنا موسى، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح قال : الجراحات.
١١٨٧-حدثنا علي بن عبد العزيز، قال : حدثنا أحمد بن محمد، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال : لما رجع أبو سفيان ومن معه، نادى : إن موعدكم بدرا للعام القابل ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل(٣) : نعم، هي بيننا وبينك موعدا ! ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب.
-قال إبراهيم بن سعد : وقد بلغني من غير ابن إسحاق أنه سعد بن أبي وقَّاص.
[ رجع إلى حديث ابن إسحاق ] فقال(٤) : اخرج في آثار القوم، فانظر ما يصنعون ؟ وماذا يريدون ؟ فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل، / وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم !.
قال علي : فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فلما اجتنبوا الخيل، وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة(٥)، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أي ذلك كان، فأخفه حتى تأتيني.
قال علي : فلما رأيتهم قد وجهوا إلى مكة، أقبلت أصيح، ما أستطيع أن أكتم الذين أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما بي من الفرح، إذا رأيتهم انصرفوا عن المدينة.
وفرغ الناس لقتلاهم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حدثنا علي، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن محمد ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، أخو بني النجار :«من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع، وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج، في الأحياء هو أو في الأموات ؟ » قال : فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل !. فنظر، فوجده جريحا في القتلى، به رمق، قال : فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر له في الأحياء أنت، أم في الأموات ؟. فقال : بل في الأموات !. أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل : إن سعد بن الربيع يقول : جزاء الله عنا خير ما جُزي نبي عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم، إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله، إن خلص إلى نبيكم، ومنكم عين تطرف ! قال : ثم لم يزل حتى مات. قال : فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره(٦).
١١٨٨-قال محمد بن إسحاق : وكان يوم أحد يوم السبت، النصف من الشوال، فلما كان الغد، من غد يوم أحد، وذلك يوم الأحد، لستّ عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله في الناس، لطلب العدو، وأذن مؤذنه : أن لا يخرجن معنا أحد، إلا أحد حضرنا يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال : يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي، سبع، وقال لي : يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة، لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم / على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه.
وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه قد خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم(٧).
١١٨٩-فحدثنا علي، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا إبراهيم، عن محمد بن إسحاق، قال : فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب، مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بني عبد الأشهل، كان شهد [ أحدا ](٨) مع رسول الله، قال : قال شهدت [ أحدا ] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله بالخروج في طلب العدو، قلت [ لأخي ](٩)، أو قال لي : أتفوتنا غزوة مع رسول الله ؟ !. والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل !، فخرجنا مع رسول الله، وكنت أيسر جراح منه، فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد- وهي من المدينة على ثمانية أميال- فأقام بها ثلاثا، الإثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة(١٠).
فكان ما نزل من القرآن في ذلك الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح أي : الجراح. وهم المؤمنون الذين ساروا مع رسول الله يوم أحد إلى حمراء الأسد على ما بهم من الجراح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (١١).
قوله عز وجل : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم [ آل عمران : ١٧٢ ]
١١٩٠-حدثنا علي بن عبد العزيز، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان الغد ؛ من غد يوم أحد حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها، الإثنين والثلاثاء والأربعاء(١٢) ومر به(١٣)، كما حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم – معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة(١٤) ورسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه(١٥)، لا يخفون عليه شيئا بها – ومعبد يومئذ مشرك – فقال : يا محمد ! أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك/ ولوددنا أن الله أعفاك منهم(١٦) ! ثم خرج [ من عند ](١٧) رسول لله بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ومن معه، بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا : أصبنا حد(١٨) أصحابه، وقادتهم، وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، لنكُرنّ على بقيتهم، فلنفرغن منهم.
فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد ! خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا(١٩)، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم، شيء لم أر مثله قط ! قال ويحك ما تقول ؟ ! قال : والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل ! قال : فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم ! قال : فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من الشعر، قال : وماذا قلت ؟ قال : قلت :
| كادت تهد من الأصوات راحلتي | إذا سالت بالجرد الأبابيل(٢٠) |
| تردي بأسد كرام لا تنابلة | عند اللقاء، ولا خرق معازيل(٢١) |
| فظلت أعدو أظن الأرض مائلة | لما سموا برئيس غير مخذول(٢٢) |
| ويلك ابن حرب من لقائكم | إذا تغطمطت البطحاء بالخيل(٢٣) |
| إني نذير لأهل البسل ضاحية | لكل ذي إٍربة منهم ومعقول(٢٤) |
| من جيش أحمد لا وخش قنابله | وليس يوصف ما أنذرت بالقيل(٢٥) |
فكان ما نزل من القرآن الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل والناس الذين قالوا لهم قال النفر من عبد القيس أبو سفيان ما قال إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم يقول الله عز وجل : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم لما صرف عنهم من لقاء عدوهم إنما ذلكم الشيطان أي : لأولئك الرهط وما ألقى الشيطان عل أفواههم يخوف أولياءه أي : يرهبكم بأوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (٢٩).
٢ - أخرجه البخاري (٤٠٧٧)، ومسلم (٢٤١٨).
٣ - المخاطب هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما هو مبين في السيرة لابن هشام..
٤ - أي النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه..
٥ -سيرة ابن هشام (٢/٩٤).
٦ - سيرة ابن هاشم (٢/٩٤-٩٥).
٧ - سيرة ابن هشام (٢/١٠٠-١٠١).
٨ في الأصل (أحد) والصواب ما أثبت.
٩ في الأصل [قلت لي] والصحيح قلت لأخي، كما في (م)..
١٠ - سيرة ابن هشام (٢/١٠٢).
١١ - سيرة ابن هشام (٢/١٢١)..
١٢ - سيرة ابن هشام (٢/١٠٢).
١٣ - يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم.
١٤ -عيبة: أي موضعه سره ونصحه. القاموس (عيب ص ١٠٢).
١٥ - صفقتهم معه يعني: بيعتهم..
١٦ - أعفاك منهم مثل عافاك منهم : أي صانك مما نزل بأصحابك..
١٧ سقطت من الأصل.
١٨ - حد الشيء: طرف شياته كحد السكين والسيف والسنان. ومعنى أًصبنا حد أصحابه أي: كسرنا حدهم وثلمناه كما يثلم السيف فصاروا أًضعف مما كانوا. ذكر ما تقدم هنا وفي الهامشين قبله العلامة محمود شاكر في هامش ابن جرير (٧/٤٠٦، ٤٠٧).
١٩ -. أي: يتلهبون من الغيظ كمثل حريق النار..
٢٠ - الجرد الأبابيل: الجماعات المتفرقة من الخيل القصار الشعر العتاق الكريمة..
٢١ - التنابلة: القصار، والخرق المعازيل: الحمقى الذين لا سلاح معهم. ***.
٢٢ - يقول ظللت أعدوا هاربا ظانا أن الأرض قد قالت بقدوم أولئك الأسد لم تبينوا وظهروا برئيس غير مخذول بما معه من كثرة العدد والعدة..
٢٣ - تغطمطت القدر: اشتد غليانها، والبطحاء : مسيل الوادي، فيه دقاق الحصى..
٢٤ - البسل: الحرام وأهل البسل هم قريش لأنهم أهل مكة، ومكة حرام. وضاحية: علانية، والإبرة : البصر بالأمور، والمعقول مصدر من المصادر التي جاءت على وزن وهو العقل..
٢٥ - الوخش: رذالة الناس وسقاطهم وصغارهم، والقنابل: جمع قنبلة (بفتح القاف) وهي الطائفة من الناس والخيل..
٢٦ في الأصل (قالوا) والصحيح ما أثبته، كما في (م) وفي الكلام سقط، وعند ابن هشام (فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة...).
٢٧ في الأصل المدينة والصحيح ما أثبته، كما في (م).
٢٨ - سيرة ابن هشام(٢/١٠٢-١٠٣) وأخرجه ابن جرير (٧/٤٠٦ رقم ٨٦٤٣)..
٢٩ - سيرة ابن هشام ( ٢/١٢١) وأخرجه ابن جرير (٧/٤٠٦ رقم ٨٢٤٣).
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر